وهم العلمانية
وهم العلمانية

هل قامت ميكانيكا الكم بهدم السببية ؟

Wassim senseii
• 11 دقائق قراءة
هل قامت ميكانيكا الكم بهدم السببية ؟

الرد على دعوى إسقاط فيزياء الكم للسببية

هل قامت ميكانيكا الكم بهدم السببية ؟

لقد رأينا غير مرة كيف يستخدم الملاحدة القراءة الشعبية والمحرفة لنتائج البحث العلمي لدعم كلامهم وإن كان كلامهم هذا يخالف العقل ابتداءً
ومن مظاهر هذا الأمر الزَّعْمُ أنّ فيزياء الكم قد أَثْبَتَتْ أنه من الممكن أن يَصْدُرَ شيءٌ من لا شيء؛ إذ تَظْهَرُ الجُسَيْماتُ في الفراغ ثم تختفي دون سبب ؛ بما يُسْقِطَ الحَثْمِيَّةَ والسببية. فما جواب هذه الدعوى؟
قبل ان نبدأ في تفنيد هذه الشبهة الإلحادية : نريد أن نعرف أولا ما هي أهمية السببية حتى يركز عليها الملاحدة ؟ وما هي ميكانيكا الكمّ ؟
عندما يريد المؤمن أن يثبت (ضرورة) وجود الله فإنه غالباً سيستخدم دليل السببية أولا وذلك لأنها مفهوم فطري معلوم لدى كل عاقل و تشهد لها كل تجاربنا التي نعرفها وندرسها – فكل شيء يظهر بعد أن لم يكن موجودا : فخلفه سبب بالتأكيد أو كما يقولون اختصارا : لكل حادِث مُحدِث
والسؤال : إذا قلنا أن الله غير موجود وأن الوجود ما هو إلا سلسلة تفاعلات مادية مستمرة بلا بداية أو نهاية بدأ من عندها كل شيء : فهل هذا الكلام يصح عقلا ومنطقا ؟ والإجابة بكل بساطة : لا !! لأنه ساعتها لم يكن ليظهر أي شيء في الوجود أصلا بدون وجود بداية أولى ليس قبلها شيء ولا يتوقف وجودها على سبب آخر قبلها
اولنفهم ذلك نقول أنه : عندنا جندي يحمل سلاحا ناريا ، يحتاج أمرا كي يطلق رصاصة الجندي يحتاج أمرا من الجندي 1 الجندي 1 يحتاج أمرا من الجندي 2 الجندي 2 يحتاج أمرا من الجندي 3 الجندي 3 يحتاج أمرا من الجندي 4 الجندي4 يحتاج أمرا من الجندي5 ....الجندي مليون يحتاج أمرا من الجندي مليون وواحد وهكذا .. دون نهاية هل ستنطلق الرصاصة إلى الوجود أبدا ؟؟
الإجابة بكل سهولة : لا !! لن تنطلق الرصاصة أبدا أي : لن يظهر شيء أصلا في الوجود – لا أنا ولا أنت ولا الكون ولا أي شيء !!


ولكن …..

بما أني وأنت هنا في الوجود إذن : لقد انتهت سلسلة المؤثرات عند بداية أولى ليس قبلها شيء ولا تعتمد على سبب آخر – هذه البداية هي ما نسميها نحن المؤمنون : الله أو الخالق – ويسميها الفلاسفة (حتى غير المؤمنين بدين معين منهم) : بواجب الوجود أو السبب الأول !!


يقول الشيخ عبد الرحمن البراك

الوجود نوعان: واجب وممكن، فالأول: وجود الله تعالى، والثاني: وجود كل مخلوق سوى الله تعالى؛ لأنَّ كل مخلوق مسبوق بالعدم، ويجوز أن يلحقه فناء فالأشياء في حكم العقل ثلاثة واجب وممكن ،وممتنع فالواجب ما لا يقبل الحدوث ولا العدم والممكن ما يقبل الوجود والعدم والممتنع ما لا يقبل الوجود

هل قامت ميكانيكا الكم بهدم السببية ؟


• ميكانيكا الكم

ميكانيكا يعني علم دراسة الحركة في الفيزياء – وقد تم وضع قوانينه من جهة العلماء وأشهرهم على الإطلاق هو نيوتن حيث وضع قوانين حركة الأجسام الكبيرة في عالمنا والتي تصلح لوصف سلوك الكرة والصخرة التي في يدك وصولا إلى الكواكب والمجرات

ولكن مع تقدم العلم ووصوله إلى ما هو أصغر من الذرة (وهي الجسيمات التي تتكون منها الذرة) : وجد العلماء أن سلوكيات هذه الجسيمات لا تنطبق عليها سلوكيات حركة الأشياء الكبيرة التي تنطبق عليها قوانين الحركة الكلاسيكية


وهذا العالم العجيب (عالم الجسيمات) لا زال يبهر العلماء بسلوكياته التي لم يستطع العلم الكشف عن حقيقتها بعد ولضعف إمكانياتنا عن الرصد الآن ولعدم اكتشافنا كل قوانينه التي تحكمه بعد : فإن له بعض السلوكيات التي لا زالت تحير العلماء إلى اليوم مثل الطبيعة المزدوجة للإلكترون حيث يتصرف مرة كجسيم ومرة كموجة متوقفا على حالتنا نحن في الرصد وكما يقول ريتشارد فاینمان الحائز على نوبل في الفيزياء

أستطيع القول بثقة إنه لا يوجد أَحَدٌ يفهم ميكانيكا الكم


هل قامت ميكانيكا الكم بهدم السببية ؟


• الحتمية والسببية

كما رأينا الآن : ولشدة صعوبة التنبؤ بكل سلوكيات الجسيمات : فإن العلماء اليوم يرون أنه لا توجد حتمية في عالم الكمّ بمعنى : أنه عندما يتم التأثير على الجسيمات بمؤثر ما : فإننا قد لا نستطيع التنبؤ برد فعل الجسيم بالضبط – وذلك بعكس العالم الكبير وقوانين نيوتن مثل لكل فعل رد فعل مساوي له في القوة ومضاد له في الاتجاه

والآن .. معنا أحد أكبر علماء الكم، وأحد أهم أنصار اللاحتمية، وأحد الحاصلين على جائزة نوبل في فيزياء الكم وهو ماكس بلانك وهو الذي قد انتبه إلى ما يُروجه النَّاسُ من إلغاء فيزياء الكم للسبية فنجده يفرق بين السببية والحتمية ويعتبر السببية علاقة أساسية بين كل الأشياء وأشمل في وجودها من المكان والزمان وقد كتب كلامًا قويا في نقض دعوى سقوط السببية فقال

التقرير الذي يتردد كثيراً في أن الفيزياء قد تخلت عن السببية هو قول لا أساس له من الصحة، صحيح أن الفيزياء الحديثة قد تخلت عن بعض الأفكار التقليدية وعدلت فيها، لكن لو توقفت الفيزياء عن البحث عن أسباب الظواهر فلن تصبح حينها علماً


هل قامت ميكانيكا الكم بهدم السببية ؟


فالسببية تعتبر مسلمة في فيزياء الكم على عكس الثقافة الشعبية التي يروج لها ملاحدة النت أو كما يقول علماء فيزياء الكم المعاصرين في أبحاثهم المحكمة

لقد اشتققنا النظرية الكمية من مبادئ معلوماتية بحتة وهى خمس مسلمات أساسية أولية ومنها : السببية

المصدر هنا


هل قامت ميكانيكا الكم بهدم السببية ؟


أيضا في مقال نشر في موقع نيتشر وجاء فيه تفترض نظرية الكم وجود بنية سببية ثابتة في الخلفية. فيعتبر فَهُمَ العالِم لِظهور أي شيءٍ أو اختفائه بعيدا عن قانون السببية؛ يعني: نهاية العلم؛ فالعِلْمُ مَدِين لمبدأ السببية بالوجود، وليست فيزياء الكم استثناء في هذا الباب

المصدر هنا



هل قامت ميكانيكا الكم بهدم السببية ؟


• هل هناك جسيمات تخلق من عدم ؟

يذهب عدد من الفيزيائيين إلى القول: إنّ الجسيماتِ الافتراضيةَ تَظْهَرُ حقيقة ثم تختفي، ولكنّهم لا يَرَوْنَ أنّ ذلك خَلْقًا من عَدَمٍ، وإنما هم يُفسرون ذلك بأنّ هذا الجسيم مُتَحوّل عن الطاقة الموجودةِ في مَجَالِهِ؛ فهو يتحوَّلُ من طاقة إلى مادة، ثم يعود فيتحوَّلُ من مادة إلى طاقة. وليس في ذلك شيء من الخَلْقِ من عَدَمِ، وإنما هو تحول من حال إلى أخرى فمثلا في مقال جاء فيه فيزيائيون يحولون الطاقة النقية إلى مادة ومادة مضادة ... تمكنوا من تحويل جزيئات الضوء وهي طاقة ، إلى أزواج من الإلكترونات والبوزيترونات ، وهي مادة

المصدر هنا


هل قامت ميكانيكا الكم بهدم السببية ؟




وحتى في أحد أعجب حالات عالم الكم وهو العلاقة الزمنية بين السبب و الحادث، بحيث هاته العلاقة ليست بشرط ضروري necessary condition؛

ولنا في هذا الباب اعتبارية كل من نيوتن و أينشتاين و علماء الفيزياء الكلاسيكية عامة بالحتمية السببية causal determinism، والتي تنص على ضرورة التتابع الزمني للسبب و الحادث؛ بحيث يكون السبب سابقا للحادث المُسبب ضرورة في المجال الزمني الخاص بهما.

إلا أن ميكانيكا الكم أبطلت الشرطية بين الزمن و العلية، و قالت افتراضا -قبل الإثبات الذي عايناه وهو موضوع جائزة نوبل للفيزياء في ما يخص التشابك الكمي- بإمكانية كسر حاجز سرعة الضوء -الذي يمثل حقيقة سرعة التفاعل السببي بين العلة و الحادث الناجم عنها-، ومنه بطلان التتابعية الزمانية لهما.

ولنا في المصدر التالي تبسيط لأقوالنا :


هل قامت ميكانيكا الكم بهدم السببية ؟


ويعترض الملحد بمنطقه القاصر "الكلاسيكي" بقوله أن هذا البطلان دليل على سقوط مبدأ العلية، لذا العلم الحديث قد استغنى عنه بالفعل، وهذا القول عليه مجموعة من الإعتراضات :


الأول : أن انهيار التتابع الزمني بين العلة و الحادث لا يلزم عنه ظهور شيء من اللاشيء، وإنما يكون الحادث سابقا لمحدثه و مسببه.

نتيجة : السبب لازال قائما، استلزاما السببية لا زالت قائمة كمبدأ غير خاضع للزمان.


الثاني : لا فيزياء بدون مبدأ السببية، فهذا المبدأ هو المخول للربط بين الأحداث، فسقوطه يلزم امتناعا عقليا على القدرة في الربط بينها لامتناع وجود منظومة عقلية تخول وقوع هته العملية، ومنه ضياع البيانات data مما يُلزم انهيار "العلم الحديث" أصلا.

خلاصة : السببية آلية ضرورية لإدراك القوانين (الفيزيائية و الطبيعية)


الثالث : السببية مبدأ عقلي و قانون "كلي" بالضرورة، فبافتراض أنه من الممكن ظهور A بدون سبب B، يلزم عنه اجتماع النقيضن في محل واحد A، ومنه استحالة عقلية تلزم بضورها استحالة الإفتراض وقوعيا.

نتيجة ثالثة : السببية قانون كلي ضرورة بغض النظر عن نوعها (أحتمية أم لاحتمية determistic or not-deterministic)

المصدر هنا

وبتعبير أوضح لا يمكن للفيزياء الإستغناء بأي شكل من الأشكال عن مبدأ السببية.


ويلخص ذلك قول العلماء

جادل بعض الفيزيائيين بأن الاتصال الذى يجرى بسرعة أكبر من الضوء يعد انتهاكًا للسببية، ولكن هذا ليس سوى خرافة


هل قامت ميكانيكا الكم بهدم السببية ؟

• هل للعَدَمِ إرادة واختيار وذوْقٌ ؟

السؤال الذي علينا أن نسأله جميعًا مع الفيلسوف الأمريكي (دالس ويلارد)

إذا كنت تسمح أن ينشأ الكون المادي كله من لا شيء؛ فلا يوجد أي سبب لئلا تستمر الأشياء المادية والأَحداث في النشوء من لاشيء وإذا كان الكون كله يمكن أن ينشأ من العدم؛ فمن المؤكد عندها أن كُوبًا من الشاي من الممكن أن يَنْشَأ من لا شَيءٍ


هل قامت ميكانيكا الكم بهدم السببية ؟


بتعبير أوضح اذا كانت السببية مجرد وهم وكان في الحقيقة أن الكون قد نشأ بلا سبب فلم لا يختار العدم أي شيء أخر ليوجد بدون سبب ؟ أي اذا كانت السببية مجرد خديعة ذهنية لا وجود لها في الكون فيلزم من ذلك أن أي شيء من الممكن أن يظهر فجأة بلا شيء فيظهر الحوت الأزرق في غرفتك بلا سبب ويظهر حمار في سطح منزلك بدون سبب وتفاجئك شفاة ضاحكة وأنت تقرأ هذا المقال بدون سبب !


وهنا نختم بقول الكوسمولوجي دافيد دارلنج الذي. كتب مقال في بيان تدليس الخطاب العلمي عندما يتحوَّلُ إلى خطاب شعبي وتوقي فقال


الأمرُ العظيمُ - أَعْظَمُ كلِّ الأُمور . هو كيف تُحصِّلُ شيئًا من لا شيء... لا تدع الكوسمولوجيين يَسْتَخِفُون بك في هذا الأمر؛ فليس لهم أدنى معرفة بذلك رغم حقيقة أنهم يجتهدون بجد لإقناع أنفسهم والآخرين أن هذا الأمر ليس مشكلة ... لا يمكنك أن تُخَادِعَ غيرك هنا باستدعاء ميكانيكا الكم. إما أنه لم يكن هناك شيء للبدء به، وهكذا لم يكن هناك فراغ كمي، ولا ما قَبْلَ الغُبارِ الهندسي، ولا زَمَانٌ من الممكن أن يَحْدُثَ فيه أَي شيء، ولا قوانين فيزيائية بإمكانها أنْ تُغَيْرَ اللاشيء إلى شيء، أو كان هناك شيء


هل قامت ميكانيكا الكم بهدم السببية ؟



شارك المقال:

اقرأ أيضًا