دين الواقعية الأخلاقية نقد داخلي

من دين الله إلى دين الواقعية❗️
استغرب أن الكثيرين لا يعلمون أن ”الواقعية الأخلاقية“ التي شاعت بين الملاحدة في الأعوام السابقة ماهي إلا محض دين لاهوتي، وهذا باعتراف الفلاسفة والمؤسيين لها وكذلك المعاصرين اليوم كما سنستعرض، لهذا استغرب من نقاشات أقزام التيك توك من الدهرية أن الأخلاق لا تحتاج لدين ومذهبهم دين بأصله؟ بل أثبت أنه لا يمكن لأساس أخلاقي أن يقوم إلا بدعوى منتهاها دين ”يقوم على الإيمان“.
المصادر والمراجع من الكتب هنا ستكون من العيار الثقيل وكل رابط يأخذك للكتاب مباشرة ليكون هذا المقال مرجع للمتصدرين من المسلمين الذين يحاورون الملاحدة، ودورة تعليم أقزام الدهرية في التيك توك بدينهم وإلزامهم بمقتضياته من ذات الكتب التي يسرقون منها غثاث المعنى هاربين من شبح العدمية كما وصفهم ريتشارد تايلور.
ماهي الواقعية الأخلاقية❗️
هي مدرسة أخلاقية تدعي أن الأخلاق موجودة بشكل موضوعي في الواقع ومستقلة عن الآراء أو الذوق الشخصي، وطبعاً تنقسم المدرسة الواقعية إلى نوعين ”واقعية طبيعية“ ”وغير طبيعية”
ما الفرق:
• الواقعية الطبيعية Natural Moral Realism
«ترى الحقائق الأخلاقية حقائق موضوعية موجودة بالطبيعة وفي هذا العالم المادي، ويمكن تفسيرها إلى حقائق علمية».
بينما بعض متبعيها مثل غرهام أوبي يرفض اختزال تفسيرها علمياً. وركز حول هذه النقطة لأننا سنعود لها في مقالٍ آخر.
• وأما الواقعية غير الطبيعية Non-Natural Moral Realism
سأشير لها من الآن وصاعداً باختصار الواقعيةNon أو الواقعية اللاطبيعية:
«يرى أصحابها أن الأخلاق حقائق ميتافيزيقية مجردة عن الطبيعة المادية غير طبيعية مستقلة عن الأذواق»
أو كما عبر عنها الفيلسوف الواقعي الملحد «ديفيد إينوخ» في كتابه “Taking Morality Seriously: A Defense of Robust Realism” ص217:
«وفقاً للواقعية غير الطبيعية فإن هذه الحقائق المعيارية موجودة هناك، كما لو كانت في فضاء أفلاطوني مستقلة تماماً عنا وعن دوافعنا»
أي أن الأخلاق في رؤيتهم موجودة بشكل مجرد غير مادي كحقائق مستقلة عن الذوق أو الرأي وخاملة سببياً أي ليس لها تأثير مادي بالعالم ولا يمكن اختزالها بالعالم المادي هي في عالم أشبه بعالم المُثل الأفلاطوني لكن دون الاعتقاد بوجوده ولتقريب الصورة الملح مالح صح؟ الملح مادة والملوحة حقيقة مجردة وهكذا.
فيذكر إينوخ في ورقته How is Moral Disagreement a Problem for Realism ص15:
«هذا النوع من الواقعية والذي يُطلق عليه أحياناً اسم الأفلاطونية أو الحدسية العقلانية أو الواقعية المورية أو ببساطة الواقعية غير الطبيعية هو واقعية من نوع قوي وصارم إلى حد كبير».
فالأخلاق لديهم تعتمد على تبني عقيدة ميتافيزيقية غيبية وموجودة في بُعد تجريدي وتابع بعد قليل.
مثل الإيمان بالله❗️
ولا يخفى على أحد الصبغة الإيمانية للواقعة اللاطبيعية واحتياجها للقفزات الإيمانية وقد صرح بهذا الإيمان «إيريك ويلينبرغ» أحد أشهر المدافعين عن الواقعية غير الطبيعية، كما يذكر الملحد الواقعي الطبيعيريتشارد كارير في مقاله ملخصاً كلام ويلينبرغ وكتب:
«يخبرنا ويلنبرغ أننا: إذا قبلنا دفاع المؤمنين عن وجود الله كحقيقة مطلقة، فعلينا أن نقبل دفاعه أيضاً عن الحقائق الأخلاقية كحقائق مطلقة، إذا كان من الممكن أن يكون الله حقيقة مطلقة، فمن المرجح أن تكون الحقائق الأخلاقية كذلك حقائق مطلقة... لماذا نحتاج إلى حقيقتين مطلقتين؟ إذا كان كل ما نحتاجه هو حقيقة مطلقة واحدة فقط؟»
هل لاحظت❗️
يخبرك أنك مؤمن بإله متصف بالكمال بينما هو مؤمن بالصفات دون الإله فلما الحاجة أن نؤمن بالإله مع الصفات العدل والرحمة والإحسان (هو يسميها حقائق أخلاقية) وهكذا أنكر أهلها وجود إله فأزالوه وآمنوا غيبياً بوجود صفاته الأزلية للهروب من شبح العدمية.
فيذكر كارير أن ويلينبرغ لا يقدم أي دليل يثبت اعتقاده غير استخدام مغالطة مشروطة فقط باستخدام إيمان المؤمنين كحجة فلا فرق بين إيمانهم وإيمانك فتأمل معي
نحن أهل السنة:
«نؤمن أن الله متصف بصفات الكمال ونقول أن العدل والرحمة صفات أزلية لماذا؟ لأنها من صفات الله هي من ذات الله، فالله تعالى ذاته وصفاته أزلية فاكتسبت الصفات هنا (الأزلية) لأنها صفات لذات الله الأزلية».
• بينما الواقعي غير الطبيعي:
ينفي وجود الله ويؤمن بوجود صفات العدل والرحمة بشكل أزلي دون وجود الله!! ويسميها بغير اسمها (حقائق معيارية Normative Facts) أو حقائق أخلاقية أياً يكن فليسميها سبانخ ميتافيزيقية.
فإن منتهاه إيمان غيبي بوجود رحمة وعدل ”مجرد“ قائم بذاته هكذا حقائق مجردة تطفوا بفضاء أفلاطوني دون أن تكون تابعة لذات، هو مثل الاعتقاد أن الملوحة موجودة كحقيقة من قبل تواجد الأملاح بالكون.
كما اختصر هذا أستاذ الفلسفة مايكا أندرو بايجرافت Micah Andrew Pycraft نشر ورقة نال بها شهادة الدكتورة بالفلسفة بعنوان: ضعف الواقعية المعيارية واعتمادها على التأليه
“The Weakness and Theistic Dependence of Godless Normative Realism”
ومن عنوانها تعلم محتواها هذه من أفضل الأوراق البحثية التي أوصي بها وراجعتها كاملاً قبل شهر، لن تحتاج بعدها لأي نقد للواقعية فقد جمع فيها تناقضات بالجملة من ذات كتبهم ابتداءً من جي أي مور G.E. Moore المؤسس وبارفيت وجمع فيها اعترافاتهم، وأثبت كما هو واضح من اسمها أنها نظرية مبنية على الإيمان والتأليه ولكن لغير الله، فهؤلاء يخافون من الوقوع في العدمية بعد إزالة وجود الله، فيذكر مستعرضاً لنظرية ويلينبرغ وبارفيتص26 تحديداً:
«إن الأنطولوجيا الواقعية لويلنبرغ تستبدل هذه الحقائق الأخلاقية مكان الله كما وضحنا في الفصل الأول»
ويقول كذلك ص103:
«لقد كان الله هو أساس الالتزام الأخلاقي طوال جزء كبير من تاريخ الفلسفة الأخلاقية، لكن ويلنبرغ استبدل فعليًا الكائن الإلهي بالحقائق الأخلاقية المجردة.»
فهي مدرسة حولت الاعتقاد بإله متصف بصفات كمالاٍ أزلية إلى الإيمان بصفات كمالاٍ أزلية دون إله والادعاء بكونها حقائق وليست صفات.
على ديانة البلومسبري على دين جورج إدورد مور الواقعية الاخلاقية غير الطبيعية❗️
الكثير لا يعلم أن المؤسس للواقعية الأخلاقية اللاطبيعية Non-Natural Realismجورج إدورد مور بناها على الإيمان المحض بإزالة ”الإيمان بوجود إله متصف بالكمال“ وأبقى على الإيمان بصفات الكمال تسبح في عالم مجرد أشبه بالفضاء الأفلاطوني دون ذات متصفة بها للهروب من شبح العدمية واللامعنى، وهذا ليس استنتاجاً مني بل تذكره موسوعة أستانفور للفلسفة على لسان كينز فكتبت:
«وكما عبّر كينز، إن المثال الأخلاقي الذي طرحه مور كان نوعًا من «الدين» العلماني؛ لا يفيد في رسم السياسات العامة، لكنه مناسب للأفراد الموهوبين الذين يستطيعون أن يتفقوا على جواز اختلافهم في أحكامهم التفصيلية بشأن القيم».
وكينز هذا هو الاقتصادي والفيلسوف جون ماينارد كينز مؤسس جماعة البلومسبري وأحد أكبر طلاب جورج مور وكان معاصر له.
على يد كينز ظهرت جماعة باسم البلومسبري Bloomsbury وهم طلاب الفيلسوف جي مور لتتخذ فلسفته ديناً حقيقياً لها واعتبرت كتابه إنجيلاً وعبدوا الحقائق الأخلاقية المجردة كالجمال والحب عبر طقوس اجتماع ”للتأمل” فهذا مقتضى هذه المدرسة كما سنوضح.
وقد شرح هذا بالتفصيل المؤرخ البريطاني جوناثان آتكين Jonathan Atkin في فصل ”Bloomsbury“ أن هذه الجماعة وعلى رأسهم الفيلسوف جون ماينارد كينز صنعوا من فلسفة الأخلاق الواقعية غير الطبيعية لـ جي. مور التي تعتقد أن الأخلاق (حقائق مجردة موجودة بذاتها كالحب والجمال) إلى دين فيذكر ص22 نقلاً عنهم:
«وضعنا نصب اهتمامنا على ”خلاص أرواحنا” من خلال ممارسة التأمل الشغوف لحقيقة الحب والجمال والصداقة، والاستمتاع بالتجربة الجمالية»
ولم يعارض جورج مور البلومسبري بل كان صديقاً مع كبار رواد هذا الدين، كيف لا وقد اعتبروا فلسفته وحياً لهم وأسسوا به ديناً روحياً يقوم على عبادة تلك الحقائق الأخلاقية المجردة عبر طقوس التأمل العاطفي للحب والحقيقة والجمال واعتبروا أن غايتهم هي ”خلاص أرواحهم“ (salvation of our own souls) فابتدت “المدرسة الواقعية غير الطبيعية كدين” لها ممارسة روحانية خالصة يتم فيه عبادة صفات الله لا ”الله ذاته“ تمنياً بخلاص أرواحهم عبر صفات الكمال وليس عبر الإله الكامل، ولكن في الوقت نفسه البلومسبري رفضوا الالتزام الأخلاقي الذي صاغه مور فيقول جوناثان ص22:
«كينز وأصدقاؤه كانوا الروّاد لنظام جديد، حيث أنهم رفضوا الالتزام الأخلاقي الذي صاغه جي. مور في كتابه ”Principia Ethica” وأعلنوا كونهم “immoralists” غير التزاميين بالأخلاق، وقبلوا «دين» مور الأساسي القائم على الوعي بالخيرات الذاتية، ومنها الجمال والحب والصداقة.»
ومن هنا ظهرت معضلة تنهي هذه المدرسة وهي معضلة الـ immoralists الذي يعرف الأخلاق ولا يبالي بالالتزام بها سنشرحها في مقال آخر.
وتجدون الفيلسوف ألاسدير ماكنتاير (Alasdair MacIntyre) في كتابه «تاريخ موجز للأخلاق من العصر الهوميري إلى القرن العشرين» استغل هذه الفرصة ليهاجم فلسفة جي. مور حين قال أن الأخلاق ”ملزمة بذاتها” وكونها صحيحة بذاتها سبباً كافيٍ للالتزام بها دون أن يعطي دافعاً حقيقياً واحداً للالتزام فيذكر (ص 187) بشكل ساخر:
«يترك مور الأمر غير مفسر وغير قابل للتفسير على الإطلاق حول سبب كون الشيء 'جيداً' (أو خيراً) وكيفية دفعنا لسبب للعمل بها... لا يمكن افتراض أن كون الشيء جيداً فقط ليوفر سبباً لفعله إلا بالنسبة لأولئك الذين لديهم خبير متذوق للأخلاق.»
بل يسخر هادماً مذهب اتباع مور الحدسيين بذكر أنهم اصلاً كحدسيين يختلفون مع بعضهم فكيف يكون الحدس موثوق؟ فيذكر (ص 188) أن:
«جميع الكتاب الحدسيين يعانون من صعوبة واحدة: فهم بحسب رأيهم الخاص، يخبروننا فقط عما نعرفه جميعاً بالفعل، ولكن اختلافهم (أخلاقياً) حول ما نعرفه جميعنا بالفعل يجعلهم أقل مللاً على حساب جعلهم أقل إقناعًا»
ويقتبس ص189 وصف الفيلسوف جون كينز لفلسفة مور بالوحي الذي هبط على جيله، ويذكر ص190 من كتابه أن اتباع مور بعد اتخذوا فلسفته «كوحي ديني» كانوا يجتمعون بجماعات مغلقة يمارسون هذا التأمل لصفات الحب والجمال المجرد للأخلاق، حيث يجلسون معاً، ويدرسون المواقف ويتأملون الصفات المجردة في كل فعل يتخيلونه، ثم يعلنون عن كشفهم الروحاني عما رأوه من الصفات المجردة من الخير الموضوعي، بحالة أشبه بطقوس الجماعات الصوفية!! بل كانوا يمارسون نفس الطقوس الصوفية لطائفة الكويكرز وذكرنا المصادر في الفيديو فهو دين من بداية نشأته.
فيذكر ماكنتير بشكل ساخر اختلاف اتباع مور مع الفيلسوف اللاديني الشهير ديفيد هربرت لورانس حيث شكك بوجود هذه المجردات وطعن بالحدس الأخلاقي فعجزوا عن البرهنة على وجهة نظرهم الأخلاقية واكتفوا بإعادة طقوس التأمل مثل أي جماعة دينية... فلم يتمكنوا من تقديم أي دليل موضوعي لاعتقاد مدرستهم غير بادعاءات تشبه ادعاءات أصحاب الملل.
كملحد مصدوم الآن❗️
أول مرة تعرف أن مذهبك دين صح؟ لا بأس فلا فرق بين دينك ودين المؤمنين غير بشعورك أنك أعمق منهم وهنا الوهم.
أشد إيماناً بالميتافيزيقا من المؤمنين❗️
ومن الاستعراض السابق تجدون الفيلسوفة الملحدة الشهيرة بمعادة الواقعية شارون ستريت في مقالها المنشور تُلزم الواقعيين بأن مدرستهم تقوم على الإيمان غير المبرر نفس الإيمان الديني بالضبط فتقول ص6:
«جميعنا مجبرون على تبني اللاواقعية هكذا سأجادل، ما لم نرض بأن نبني واقعيتنا على مجرد إيمان غير مبرر، لتصبح بذلك الواقعية حول الأسباب والقيمة شكلاً غريباً من أشكال الدين».
ولهذا لن تستغرب إذا اخبرتك أن الفيلسوف الواقعي غير الطبيعي الملحد ديفيد كيلورن بنفسه قام بنشر ورقة بعنوان: ”الواقعية الأخلاقية الصلبة دين بامتياز“
ويعترف فيها أن الواقعية الأخلاقية غير الطبيعية دين مبنية على الإيمان بل تخيل أنه انقلب عكسياً ليرد على من حاولوا نفي هذا وكتب في الخلاصة:
«وفقاً للواقعية الأخلاقية توجد حقائق أخلاقية موضوعية غير طبيعية لا تتلاءم هذه الحقائق الأخلاقية بسهولة مع العالم كما تصوره العلوم الطبيعية علاوة على ذلك، إذا وُجدت هذه الحقائق أصلاً، فمن الصعب معرفة وجودها بأي وسيلة مألوفة، ومع ذلك لا يشكك فيها الواقعيون؛ فهم يؤمنون بأننا نعرفها وبالتالي، تأتي الواقعية الأخلاقية بعدد من الالتزامات الأنطولوجية والمعرفية التي يصعب الدفاع عنها، ومؤخراً ادعت شارون ستريت أن الواقعية الأخلاقية "تتطلب نوعاً من الإيمان وأصبحت شكلًا غريبًا من أشكال الدين". أعتقد أن ستريت مُحقة. وأنا أُجادل هنا بأن الواقعية الأخلاقية تتطلب الإيمان وهي دين ممتاز».
قد ينكر أقزام التيك توك هذا رافضين
ولكن تخيل أن أحد اشهر المدافعين عن الواقعيةnon إيريك ويلينبرغفي كتابه Robust Ethics بعد ذكره للحج السابقة لماكي ص 9-8 تجدونه في الصفحة38 يعترف بما اعترف به كيلورن من أن منظومته الأخلاقية تستلزم ذات الالتزامات الأنطولوجيا للدين، أنت تؤمن بوجود إله متصف بالكمال!! هو يؤمن بوجود حقائق أخلاقية مجردة فيقول:
«إن نسختي من الواقعية المعيارية القوية تتشارك ذات الالتزامات الأنطولوجية التي عند المؤمنين: فهي تتضمن تحقق حقائق جوهرية، وضرورية ميتافيزيقيا، وصماء... إن طرح سؤال حول هذه الحقائق: مثل من أين جاءت؟ أو على أي أساس تستند؟ هو سؤال مضلل نفس سؤال المؤمنين من أين جاء الله؟ أو على أي أساس يستند؟
لا يؤمن بوجود إله ميتافيزيقي ويؤمن بوجود حقائق أخلاقية ميتافيزيقية، لا يؤمن بوجود إله ذاته متصفة بالكمال، بل يؤمن بوجود صفات كمال قائمة بذاتها، فيؤمن بوجود الصفات دون وجود الموصوف فتخيل؟؟
• ولفهم الإشكال تأمل التالي❗️
• الملح موجود. • والملوحة صفة مجردة للملح.
• وعلي موجود. والجمال صفة في ذات علي.
فالواقعي غير الطبيعي مثله مثل الذي يؤمن بوجود الملوحة كصفة مجردة، دون تواجد الأملاح!! ويجعلها لا تقوم كصفة لذات الملح بل يجعل الملوحة صفة قائمة بذاتها هكذا تسبح بفضاء أفلاطوني غير مادي كما وضح إينوخ، ويجعل الجمال موجود كصفة لا تختزل في المادة ومتواجدة دون وجود (علي) الحامل للصفة.
فالصفات والخواص المعيارية في مذهبهم لا تُرد إلى حواملها الطبيعية أو لشيئاً موجود يحملها، بل هي موجودة من (قبل أو دون) تواجد ذات متصفة بها.
وهكذا صرح بها ويلينبرغ ص46 أن مذهبه ينفي لزوم وجود الصفة لتواجد شيء بل الصفة هي الموجودة ثم الوجود، كقولنا الملوحة موجودة قبل الملح فيقول:
«إن رؤيتي تنتهك بالفعل المبادئ القائلة بأن (1) جميع القيم هي خصائص للأشخاص؛ و (2) جميع القيم لها أسس خارجية. أقترح أن الدرس الذي يجب استخلاصه من هذا هو أن (1) و (2) باطلان»
وهذا انتهاك مناقض للعقل، فالأصل وجود الشيء ثم ينتزع العقل الصفة منه لأن الذهن السوي لا يفهم الصفة إلا بوصفها صفة لشيءٍ ما يحملها أنت ترى الملح فينتزع العقل منه الصفات مثل كون لونه أبيض وطعمه مالح، وكما نبه شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الخلط في مجموع الفتاوى فقال:
«ففرض عرض قائم بنفسه لا صفة له كفرض صفة لا تقوم بغيرها وكلاهما ممتنع فما هو قائم بنفسه فلا بد له من صفة وما كان صفة فلا بد له من قائم بنفسه متصف به ولهذا سلم المنازعون أنهم لا يعلمون قائما بنفسه لا صفة له سواء سموه جوهراً أو جسماً أو غير ذلك ويقولون: وجود جوهر معرى عن جميع الأعراض ممتنع».
ويذكر في درء تعارض العقل والنقل/22
«وحقيقة الأمر أن الماهية الكلية إنما تكون كذلك في الذهن وما في الذهن لا يوجد في الخارج إلا معينا.»
وهذا نفس النقد الذي قدمه الفيلسوف ويليام أوكام لنظرية أفلاطون فكتب:
«لا يوجد كليٌّ خارج الذهن موجودٌ وجودًا حقيقيًا في الجواهر الفردية أو في ماهيات الأشياء؛ ... والسبب هو أن كل ما ليس أشياءَ متعددةً فهو بالضرورة شيءٌ واحدٌ من حيث العدد، وبالتالي فهو شيءٌ مفرد.»- Opera Philosophica, II, pp. 11–12
وهذا الأخير جاء بشيء يسمى فلسفياً ”نصل أوكام“ تشبيهاً بنصل شفرات الحلاقة كناية عن إزالة أي افتراض ميتافيزيقي زائد لا تضيف أي ضرورة تفسيرية ويمكن الاستغناء عنها.
وكذلك لا يمكن لشيء موجود إلا وله صفة يستخرجها العقل من ذاك الشيء، فأنت ترى التفاحة فينتزع عقلك أنها حمراء ومستديرة ترى شكل الشجرة فينتزع عقلك الصفة فتقول خضراء طويلة فهي صفة للشجرة وليس معناه أن هناك شيء مجرد اسمه طول حل في الشجرة بل هي صفات تقوم في ذوات الأشياء أو الأفعال وكل موجود بالعالم له صفات ”الشيء الوحيد الذي ليس له صفة هو العدم“ فتنبه أما وجود صفة دون ذات فهذا ممتنع فكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
«فمن قدر إمكان موجود قائم بنفسه لا صفة له فقد قدر ما لا يعلم وجوده في الخارج ولا يعلم إمكانه في الخارج فكيف إذا علم أنه ممتنع في الخارج عن الذهن».
لكن هؤلاء الواقعيين كما صرح ويلينبرغ ينتهكون هذا المبدأ فمثلاً أنت حين ترى تفاحة فأنت تصفها بأنها:
«جميلة طعمها حلو»
في المثال السابق الواقعية اللاطبيعية تفترض وجود الجمال والحلاوة كحقيقة مجردة أزلية تطفوا في سماء أفلاطوني ودون تواجد الحامل لهذه الصفات دون تواجد التفاحة في العالم أصلاً!!. وهذي دعوى ميتافيزيقية ثقيلة الفهم حتى على الملحدين أنفسهم وخلط لما في الأذهان وجعلها أشياء موجودة في الأعيان في حقل الخارج، لهذا لا حاجة لنقض ادعاءهم بأن الأخلاق ليست صفات بل هي حقائق مثل الحقائق الرياضية لما سيأتي بيانه بعد قليل، لهذا يعترف ديريك بارفيت وهو يعتبر أحد أهم المؤسسين والمطورين لهذه المدرسة بعد جي مور فيقول ص11:
«نظرياتنا الأخلاقية بدائية وبها عيوب خطيرة»
وهذا لكثرة الافتراضات الضرورية والميتافيزيقية في نظريتهم وعدم اتساقها وخرقها لمبادئ بديهية مثل كون الصفة تابعة لذات الموصوف لا كياناً قائماً بذاته فعندهم كل ما فعلوه أنهم غيروا اسمها من صفة «attributes/bearer» إلى حقيقة مجردة «objective moral facts/truths» فإذا لاحظنا الملوحة في الأملاح، فالذي يثبت في عقولنا أن الأملاح متصفة بالملوحة، ثم ينتزع العقل مفهوم «الملوحة» من أفرادها كصفة أو مفهوم كلي، لكن القول بأن «الملوحة» نفسها حقيقة مجردة أزلية قائمة بذاتها قبل وجود أي أملاح بالكون فهي مجرد دعوى زائدة تحتاج إلى دليل وليس تغيير الاسم من صفة إلى (حقيقة) عبر الكلام.
منهج قائمة التسوق ad hoc shopping lists❗️
النهج السابق بتحويل الصفات والكليات الذهنية إلى حقائق أولية لا تُفسر انتقدها كثير من الفلاسفة بل هناك من الواقعيين أنفسهم من اعترفوا بأنه مثل الاعتباطية التي تشبه قائمة التسوق التي تضع فيها ما تحتاج، وأشاروا لهذا النقد مثل ويليام لين كرايغ، وجاي بي مورلاند، وستيفن إيفانز، وشيلي كاجان، وميكا بايكرافت بأن الواقعيين اللاطبيعيين مثل إريك ويلينبيرغ وديريك بارفيت قاموا بتحويل الصفات كالعدل، القسوة، والخير من كونها صفات تتصف بها الذوات أو الأفعال والأشخاص إلى حقائق مجردة قائمة بذاتها وهذا عبر الادعاء والافتراض المحض دون تقديم برهان أنطولوجي.
فتجد الفيلسوف ”ويليام لين كرايغ“ والفيلسوف ”جاي بي مورلاند“ يوضحان أن القيم والصفات الأخلاقية في أصلها المفهومي لا توجد في الفراغ كـحقائق مجردة بل هي تابعة للذوات أو الأفعال كخصائص وصفات يتصف بها الأشخاص/الذوات أو الأفعال (فالشخص هو من يكون عادلا والفعل هو ما يوصف بالعدل) لكن الواقعي الملحد ينزع هذه الصفات عن حامليها ويحولها إلى كائنات مجردة قائمة بذاتها فيذكران ص30-ص50:
«يبدو أن القيم الأخلاقية توجد كخصائص للذوات/الأشخاص، وليس كمجرد تجريدات — أو على أي حال، من الصعب معرفة ما يعنيه أن توجد قيمة أخلاقية كمجرد تجريد. يبدو أن الواقعيين الأخلاقيين الملحدين يفتقرون إلى أي أساس مناسب في الواقع للقيم الأخلاقية، بل يتركونها عائمة بطريقة غير مفهومة»
ولاحظ أن هذا هو العمود الفقري لهذه المدرسة بتحويل ”الصفات“ إلى ”حقائق” وليس مبنياً على برهان عقلي بل عبر الإيمان والادعاء فقط لهذا تجد الفيلسوف ”استيفن إيفانز” ينتقد تهربهم الاعتباطي بحويل الصفات إلى حقائق أولية لا تُفسر (Brute ethical facts) يذكر أن هذا الادعاء ليس مبرراً بأدلة منطقية بل يقوم الواقعي الملحد بفرضها كادعاء فقط يتهرب به من التفنيد بفرض أنه حقيقة أولية فيقول ص29:
«إذا كان ادعاء أن هذه الحقائق الأخلاقية هي حقائق أولية بطبيعتها يُطرح منهم كمجرد ادعاء دون تبرير فلن يكون هناك دليل مُقدّم حتى يمكن للمرء تفنيده (فهو ادعاءً فقط)».
بل تخيل أن الفيلسوف الواقعي الملحد ”شيلي كيجن“ تنبه لهذا الادعاء الاعتباطي بلجوء الواقعيين إلى بناء هذا بالادعاء غير المفسر بوجود حقائق أخلاقية مجردة لتناسب منظومتهم، وسماها (منهج قائمة التسوق) (ad hoc shopping lists) حيث شبه دخول الواقعي لمتجر ميتافيزيقي ويضع في سلته أي صفة أخلاقية معتبراً أيها حقيقة أخلاقية يحتاجها ويقرر أنها ”حقيقة أولية بديهية لا تُفسر” ودون إعطاء أي مبرر أو على وجودها أو كيفية ارتباطها بالأفعال الطبيعية فيقول شيلي كيجن ص29:
«ما لم نتمكن من تقديم تفسير متماسك لمبادئنا... فلا يمكننا اعتبارها مبررة... وبدون ذلك، لن تخلو هذه المبادئ من وصمة العشوائية والاعتباطية التي دفعتنا لتجاوز قائمة التسوق المفتعلة»
بل إيريك ويلينبيرغ يقولها بصراحة انه معتمد على تأسيس هذه الحقائق الأخلاقية على ”لا شيء“ توجد هكذا بلا سبب ويقرّ صراحةً بأنه لا يملك تفسيراً خارجياً لهذه الحقائق الأخلاقية غير الادعاء، وأن القاعدة السفلى لأخلاقه تقف على ”لا شيء” فيقول ص13-15
«مثل هذه الحقائق هي أساس (بقية) الأخلاق الموضوعية وتعتمد هي نفسها على لا أساس... في كلا النوعين من الآراء، فإن الطابق السفلي للأخلاق الموضوعية يستند في النهاية على لا شيء»
لاحظ مجدداً أنهم لم يؤسسوا ذلك بناءً على برهان أنطولوجي، بل عبر الادعاء المحض والافتراض المفتعل (Ad hoc assertion) وتطبيق ”منهج قائمة التسوق“ المفصلة سابقاً.
• تريد تنهي عبث قائمة التسوق أخبر الواقعي بالمثال الشهير مثال المعتوه❗️
لو جاء شخص معتوه وقال:
بأن «الملوحة» و«الضحك» ليست صفات تابعة للأشياء والأفعال بل الملوحة والضحك هي حقائق أولية مجردة قائمة بذاتها فريدة من نوعها موجودة قبل في كل العوالم الممكنة ولا تعتمد بوجودها على شيء، فبعض الأشياء مضحكة وبعض الأشياء مالحة لأنها تشارك في خاصية الضحك والملوحة الموضوعية…. الخ
وقام المعتوه ببناء نفس ادعائك الميتافيزيقي والأنطولوحي للملوحة والضحك فكيف ستنقض دعواه لنفرق بينكما؟
وهنا اعلم: أن أي رد سيقوله الواقعي سينقلب ضده، واكتفي أنت فقط بتكرار كلامه لنقض دعواه وقلبها عليه، لأن ما فعله المعتوه هو نفس ما فعله الملحد الواقعي بناء دعوى دون دليل أو برهان.
• فإذا قال الواقعي: الملوحة والضحك ليست خواص معيارية بل وصفية وتقيمية مثلاً الخير خاصية معيارية.
• سيخبرك المعتوه: أنا لا أسألك عن نوع الخاصية وصفية كانت أم تحليلية أو تقيمية أو معيارية بل سؤالي: ما الذي يبرر تحويل الصفة إلى حقيقة مجردة قائمة بذاتها أصلا؟
• فإذا قال الواقعي: لأن الخير خاصية معيارية لا يمكن اختزالها إلى الخصائص الطبيعية.
• فالمعتوه سيقول:
«وأنا ادعي كذلك أن خاصية الملوحة وخاصية الضحك هي خصائص أساسية sui generis لا لا تختزل إلى خصائص طبيعية مثل أملاح البوتاسيوم أو أملاح الصوديوم أو موقف مضحك معين»
• فإذا قال الواقعي: نحن لا نعرف الملوحة الا باعتبارها صفة للملح ولا نعرف الضحك إلا باعتباره فعل لفاعل.
• فسيخبرك المعتوه: أين الاشكال ونحن أيضاً لا نعرف الخير والعدل إلا باعتبارهما صفة لموصوف لذات أو شيء أو فعل وأنت نفسك حولتها لحقائق لا تحتاج إلى موصوف حتى توجد.
فلماذا تجعل وجود الملوحة والضحك لازم لها وجود ذات وانت قبلت ان الخير موجود دون ذات؟
وهكذا إن كان مجرد قولهم: هذه خاصية أساسية sui generis لا تحتاج إلى تفسير خارجي كافيٍ لإثبات وجودها المجرد بشكل أزلي، فقد فتحوا الباب لكل معتوه أن يحول أي صفة إلى حقيقة مجردة أزلية ويبني نفس ادعائهم فهي ”قائمة تسوق“ كما يسميها شيلي كيجن ويصبح الأمر اعتباطي وعشوائي دون تبرير. بل يصبح الأمر كما يقول استيفن إيفانز ”صعب النقض لأنه ليس مبنياً على دليل أو برهان لنقوم بنقضه“ وهذا لنبين أن ادعاء المعتوه نفس ادعاء الواقعي لا يقوم على شيء أصلاً غير الادعاء فقط، ومحاولة نقضهم لمثال المعتوه لن يخرج بقول إلا وفيه نقض غير سار لادعائهم بوجه من الوجوه، لأنهم وأن سفسطوا جاز للمعتوه أن يسفسط فلا دليل بالادعائين غير الادعاء والإيمان مع وضع العقل في الدولاب.
فنقضهم لدعوى المعتوه هو نقض لأساس دعوهم فتأمل من هو المعتوه يارعاك الله.
ونفس هذا النقد أشار إليه الملحد جورج سانتيانا المعاصر لجورج إدورد مور وبرتراند راسل وذكر أيضاً هذا النقد شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل/21 في حديثه عن وجود صفات الله كالعدل والرحمة كشيء مستقل دون ذات فقال:
«وأما الصفات التي لا تقوم إلا به فإن قيل بقدمها أو وجوبها فلا ريب أنها ليست قائمة بنفسها بل لا تقوم إلا بالموصوف وحقيقة الأمر أن القديم الواجب بنفسه هو الذات المستلزمة لصفات الكمال وأما ذات مجردة عن هذه الصفات أو صفات مجردة عنها فلا وجود لها فضلا عن أن تكون واجبة بنفسها أو قديمة فقولهم فاسد»
فيعطي ابن تيمية مبدأً ميتافيزيقياً فيه كل العبرة برفض الانتقال من كون الصفة أو المفهوم معقولاً في الذهن ينتزعه العقل من الموجودات ثم القفز إلى كون هذا الشيء موجوداً في الخارج قائماً بذاته بشكل مجرد مستقل عن الذات.
فيذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح/ج4 عن خلط هذه المعاني وتحويلها لشيء موجود بالخارج وهو نفس ما يفعله الواقعيون فيقول:
ويسمون هذا الوجود: الإحاطة، فيقولون: هو الوجود المطلق، إما بشرط الإطلاق عن كل قيد، وهذا يسمى الكلي العقلي. وهذا عند عامة العقلاء لا يوجد إلا في الذهن لا في الخارج، ولكن يحكى عن شيعة " أفلاطون " أنهم أثبتوا هذه الكليات المجردة عن الأعيان في الخارج، وقالوا: إنها قديمة أزلية إنسانية مطلقة، وحيوانية مطلقة، ويسمونها المثل الأفلاطونية، والمثل المعلقة.
فالأصل أننا نرى التفاحة ثم ينتزع العقل منها الصفات مثل كونها ”دائرية حمراء طعمها حلو“ هذه الكليات العقلية ينتزعها العقل من أشياء أو أفعال موجودة بالخارج، لكن لا نقول أن هناك شيء اسمه أحمر قائماً بذاته منذ الأزل وشيء اسمه ”دائرة” قائماً بذاته منذ الأزل ومن قبل تواجد الكون هذه تخريصات أفلاطونية واهية أصولها عقيدة لاهوتية.
فالعدل عبارة عن معنى كلي في الذهن، فالعقل البشري يرى أفعال جزئية بالعالم يعني ترى شخص يعطي الحقوق إلى أهلها، ويعاقب الجاني بقدر جنايته، وشخص يرد المال إلى صاحبه، فهذه الأمور الجزئية العقل ينتزعها من الواقع ويراها كمعنى كلي في الذهن اسمه عدل كوصف لهذه الجزئيات أو الأشياء أو الذوات أو الأفعال.
يعني أنت ترى البقرة، ترى الحمار، ترى القرد، فتقول هذه حيوانات. المعنى الكلي عندك في الذهن لهذه المجموعات اسمه حيوانات، وكذلك المعنى الكلي في الذهن لمعنى العدل فليس هناك شيء مجرد خيالي بالخارج أسمه عدل قائم بذاته وأنما نقول العدل أزلي لأنه قائم بذات الله فهو أزلي لقيامه في ذات أزلية، ولأن الله إله متصف بالرحمة والعدل والإحسان خلق طباع الإنسان وركز هنا خلق طباع الإنسان لتحب ما يحبه الله ولتبغض ما يبغضه الله لهذا يرى الإنسان بعض الأفعال ملاءمة لطبعه فيها حسن ومصلحة وكمال وبعضها بغيض فيها قبح ومفسدة ونقص لأن الله تعالى كما قلنا خلق طباعنا لنحب ما يحبه الله ولنبغض ما يبغضه فمنتهى هذه الأخلاق لدينا عائدة إلى صفات الله غير مستقلة عنه.
ولكن أهل السنة يقولون بأن الأفعال لها صفات ذاتية❗️
هنا يحدث خلط عند بعضهم بلفظ (الفعل قبيح بذاته) فالمقصود عند أهل السنة عند قولهم إن الفعل حسن أو قبيح لذاته لا يقصدون أن هناك «صفة مجردة» حلت بالفعل وجعلت الفعل حسناً أو قبيحاً ولا يقصدون أن حسن الفعل صفة لازمة قائمة بذاته منفصلاً عن كل وصف ومعنى وما ينشأ عنه، والتالي كُتيّب مفيد في تحرير محل الخلاف في التحسين والتقبيح العقلي لدى المعتزلة والأشاعرة وأهل السنة يمكن للمبتدئين مطالعته فقول أهل السنة أن الأفعال متصفة بذاتها بالحسن والقبح لا يقصدون بها الصفة اللازمة أو أن صفة أو جوهر قام بذات الفعل كقيام اللون بالشيء، بل يقصدون بها صفة شيء عارض أي أن ذات الفعل مُنشئ للمصلحة أو المفسدة ومستلزم للكمال والنقص وعلاقة الفعل وملاءمته للطبع فيذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج أهل السنة غلطهم في فهم معنى ذاتية الفعل بعد ذكره محل نزاع المعتزلة والأشاعرة فيقول:
وتحقيق الأمر: أن الأحكام للأفعال ليست من الصِّفَات اللازمة، بل هي من العارضة للأفعالبحسب مُلاءمتها ومُنافرتها، فالحُسنُ والقبح بمعنى كون الشيء محبوبًا ومكروهًا ونافعًا وضارًا وملائمًا ومنافرًا، وهذه صفةٌ ثبوتيَّةٌ للموصوف، لكنها تتنوع بتنوُّع أحواله فليست لازمةً له”
وصفة ثبوتية يعني للفعل أثر ينتج عنه بالخارج فيحكم العقل عبره وليس معنى ذهني اعتباري وركز على قول ابن القيم هنا وتركيزه على نفي ما فُهم عنهم عند القول ”الفعل حسن لذاته” فيقول:
“كون الفعل حسنًا أو قبيحًا لذاته أو لصفةٍ لم نَعْنِ به أنَّ ذلك يقومُ بحقيقةٍ لا ينفكُّ عنها بحال، مثل كونه عَرَضًا، وكونه مفتقِرًا إلى محلٍّ يقوم به، وكون الحركة حركةً والسَّواد لونًا. ومِنْ ها هنا غَلِط علينا المنازعون لنا في المسألة وألزمونا ما لا يلزمنا، وإنما نعني بكونه حسنًا أو قبيحًا لذاته أو لصفته: أنه في نفسه مَنْشَأٌ للمصلحة والمفسدة، وترتُّبهما عليه كترتُّب المسبَّبات على أسبابها المقتضية لها، وهذا كترتُّب الرِّيِّ على الشُّرب، والشِّبَع على الأكل، وترتُّب منافع الأغذية والأدوية ومضارِّها عليها”
ولاحظ كون الفعل مُنشيء لمصلحة أو مفسدة هو معنى قولهم باتصافها بالحسن والقبح (وليس شيئاً مجردة يقوم بالفعل نفس رؤية أقزام أفلاطون) فالأفعال غير مستقلة عما ينشأ عنها من كمال ونقص ومصلحة ومفسدة وملاءمة للنفس ومنافرته وهذا الأصل أشمل من قول بقية المذاهب الأخلاقية وأوسع بل أقرب إلى شيئاً شامل فيقول ابن القيم:
”فالحق أننا عندما نقول: إن الحسن والقبح أوصاف ذاتية للأفعال، فلا نعني بذلك “إلا أنه ناشئ من الفعل، فالفعلُ مَنْشؤه“
فالفعل بحد ذاته يُنشئ آثار بأرض الواقع فينتزع العقل منها معاني كلية ”مثل أن اعطاء الفقراء شيئاً حسن وفيه مصلحة وكمال موافق للعدل الذي فطرنا الله على حبه“ فحين نرى أثرها يحكم العقل بحسنه لتحقيقه مصلحة والطبع بملاءمة هذا الفعل له أو منافرته والله سبحانه متصف بالكمال والخير الأسمى وخلق طباعنا لنحب ما يحبه الله ونبغض ما يبغضه الله ومنتهى هذا الحب عائد إلى صفات الله فلا وجود لمعضلة يوثيفرو في مذهبنا من أي وجه كما سنركز الرد عليها في آخر المقال، فكما قلنا منتهى هذا عائد بشكل موضوعي إلى صفات الله بكونه متصف بالكمال وخلق طباعنا بملاءمة ومنافرة ما يحبه وما يبغضه فاقتضاء الفعل للمصلحة والمفسدة والكمال والنقص والملاءمة والمنافرة هي المعايير للحسن والقبح والعلاقة التفسيرية السببية هذه تنتهي لأساس موضوعي وواجب أزلي وهي صفات الله سبحانه، وركز على جواب ابن القيم عما ذكره الشهرستاني كيف كان زواج المحارم في أبناء آدم مباح ثم أصبح قبيحاً فتغير الحكم بتغير الظرف والمصالح لتخلف مقتضاه لفواتِ شرطٍ أو وجود مانع ”كالاضطرار للكذب لإنقاذ طفل مختبئ عندك من إبادة جماعية ظالمة يقوم بها أفراد يسألونك عن مكانه لقتله“ فالكذب لإنقاذ الطفل رغم نقصه ينقلب حسن لغيره وينقلب هنا الصدق والوشاية بمكان الطفل لقبيح رغم كون الصدق كمال بالعادة ومنشأ لمصلحة يصبح هنا منشأ لمفسدة عظيمة فيختلف الحكم لتغير الظرف وما ينشأ عنه يقول ابن القيم:
«وأما الجواب عما ذكره الشهرستاني: فهو أن كونَ الفعلِ يقتضي الحُسنَ في وقتٍ لا يلزمُ منهُ أن يقتضيَهُ في كُلِّ وقتٍ، بل يجوزُ أن يقتضيَ ضِدَّهُ، كما أنَّ الطعام الطَّيِّبَ يقتضي الشِّبَعَ للإنسان الصَّحيحِ، وتجدُ العليلَ لا يُشبعُهُ نفس ذلك الطعام، وهكذا نكاحُ الأخت كانَ حسنًا في وقتِه، حتى لم يكن بد منه في التناسل وحفظِ النَّوع الإنساني، ثمَّ صار قبيحًا لمَّا استُغنيَ عنهُ فحرمه على عبادِهِ، فأباحه في وقتٍ كان فيه حسنًا، وحرَّمَهُ في وقتٍ صار فيه قبيحًا، وكذلك كُلُّ ما نسخه من الشرع، بل الشريعة الواحدة كلها لا تخرجُ عن هذا، وإن خفي وجه المصلحة والمفسدة فيه على أكثر الناس»
وكذلك زواج المتعة الأصل فيه يقتضي القبح وكانت الإباحة للاضطرار فالفعل إذا كان يجلب مصلحة أكبر ويدفع مفسدة أعظم صار حسنً لغيره مثله مثل الكذب في المثل السابق. وكذلك في ظرف الحروب البعيدة أُبيحت حينها المتعة لذاك الظرف المخصوص فلما زال الظرف والشرط عاد تحريم المتعة وقد أخطأ من قال بكونها حسنة.
الواقعية الأخلاقية وإله الكالفينية العائد❗️
كان الفيلسوف الملحد جورج سانتيانا من أوائل النقاد لفلسفة جورج مور حول نظرته الأخلاقية بنفي الخالق والإبقاء على صفاته كحقائق قائمة دون ذات موصوفة وكان نقده مشابه لنقد ابن تيمية للأفلاطونية فهم جعلوا صفات الله تعوم هكذا بالفراغ دون وجوده، وكان نقد سانتيانا سبباً بتخلي برتراند راسل عن الواقعية الأخلاقية فيما بعد، حيث كان راسل زميل جورج مور وأحد المؤسسين للواقعية والحدسية كلاهما نفس المدرسة اليوم، ففي كتاب ”رياح العقيدة“ Winds of Doctrine تناول سانتيانا هذه النقطة بأسلوب يقطر سخرية وتهكماً فهذا الادعاء الأول من أفلاطون حول الأخلاق بحد ذاته لاهوتي مبني على الإيمان كما وضح سانتيانا بهامش صفح 94:
“إن أفلاطون كان يجعل الخير قائماً بذاته مستقلاً بشكل موضوعي لأنه بالنسبة له علة أو قوة.. فإن أفلاطون لم يكن ليكون أخلاقياً دوغمائياً لو لم يكن لاهوتياً بالمقام الأول.”
فكان أفلاطون كما يذكر سانتيانا يرى أن الخير مستقل نعم ولكن أسس اعتماده على أن الخالق سيوجه البشرية والعالم نحو هذا الخير في النهاية فهو أشار لمعضلة التفنيد التطوري EAAN وEDNs بشكل مبكر ولن نستعرضها هنا لأهميتها ولكن سننشئ فيديو عنها ومقال فيما بعد.
ولأن نشأة هذا المفهوم المؤسس للواقعية بالأصل بدأ بطابع ديني، فكان اعتراض النقاد ”للواقعية اللاطبيعية“ ليس لبنائها الفلسفي أو العقلي فهي لا تقوم على هذا البناء بالأصل بل أساسها يقوم على التحويل اللاهوتي للأخلاق لأصل متعالٍ فوق العالم أشبه بالإله القائم بذاته بشكل مجرد، ثم الانطلاق بالإيمان الراسخ بهذه المقدمة، فإذا قرأها شخص لا يفهم الإيمان تركها، وما هؤلاء المتأخرين مثل هنري سيدجويك ومور وراسل إلا نقلة ليكملوا هذه الفكرة اللاهوتية بالنظرة الدينية بمسمى اللاطبيعية والعقلانية عبر الابقاء على صفات الخالق وإزالة وجوده فأنت جئت من العدم دون غاية وذاهب إلى العدم دون غاية محاولة الدفاع أن هناك قيمة في رحلتنا من العدم إلى العدم محاولة مثيرة للشفقة، فيرى سانتيانا أن هذا التصور نفسه يتضمن تشييئاً للخير أو إقحاماً له في مقام الكيانات المنفصلة التي لا تعيش إلا في الخيال الميتافيزيقي فيقول ص92:
«فبما أنهم لا يستطيعون تعريف الخير، فإنهم يُحولونه إلى جوهر وشيء مستقل... وهكذا يُطلب منا أن نؤمن بأن الخير يلتصق بالأشياء بلا سبب ولا علة؛ وأنه يجب العثور عليه هناك عن طريق نوع من الاستكشاف الإدراكي في كل حالة منفصلة».
نعم كما قال هكذا يُطلب منا أن نؤمن كما يعبر سانتيانا ساخراً البشر لا يكتفون بصنع الأفكار، بل يصنعون منها أصناما فلسفية وآلهة مثل إله الكالفينية ففور أن تفعل شيء معين فإن فعلك يستدعي خاصية أخلاقية لتلتصق بالفعل بعلاقة الجعل السحرية التي سنناقشها فيما بعد فيقول سانتيانا عن الواقعية اللاطبيعية ص100:
«في هذا النظام، فَقدَ الإله الكالفيني وظائفه الخالقة والعقابية، لكنه يستمر في إصدار مراسيم حول ما هو خير وما هو شر»
وقد بين أن ادعاء راسل ومور بوجود ”خير موضوعي مطلق” بدون وجود إله فكرة متناقضة وتجعل من فلسفته ديناً جديداً مشوهاً نحن نتاج العدم وسنذهب إلى العدم فلا عبرة من كل هذا العبث فيقول ص100:
«لو كان الخير مستقلاً عن الطبيعة، لكان من الممكن تصوره من خلال كونه خالقاً أو محركاً لها؛ لكن السيد راسل ليس مؤمناً بوجود إله؛... إن التجوهر الذي أنجزه السيد راسل هو أكثر خطورة في عالم الجواهر الأبدية، قبل أن يوجد أي شيء، توجد جواهر معينة تمتلك هذه الخاصية الرائعة: ولكن ما هو موجود (في الطبيعة) أصم عن هذا التأكيد الأخلاقي؛ ... في الواقع لماذا يجب على الطبيعة أن تُخضِع عشوائيتها لخير هو بحد ذاته عشوائي تماماً؟»
كما وضح سانتيانا أنه تاريخياً (كما عند أفلاطون أو المسيحيين) كان الادعاء بوجود ”خير مطلق“ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود ”إله خالق متصف بصفات الكمال“ لكن راسل ومور لا يؤمنان بالله فكيف يمكن أن توجد ”حقائق أخلاقية“ أو ”خير موضوعي” يسبق الطبيعة ولا قوة لها أو تدخل سببي؟
فيسخر كعادته من هذا التناقض قائلاً إن راسل ومور يتصرفان مثل ”القديسين المتزمتين“ الذين يفرضون عقائدهم على الآخرين، وأن فلسفتهم الأخلاقية ليست سوى ”دين وهمي“ و”شبح للكالفينية“ (والكالفينية طائفة مسيحية بروتستانتية شديدة التزمت). لقد تخلوا عن الإله الخالق، لكنهم احتفظوا ”بصفاته في الفراغ” ثم يتم إطلاق الأحكام الأخلاقية المجردة التي لا أساس لها في الطبيعة التي تتجه بنا إلى العدم فيقول ص101:
«إن القديسين هم أولئك الذين يقلدون تلك الدوغمائية العاجزة في الأعالي - يستمرون في التأكيد على أن أشياء معينة هي في حد ذاتها خيرة وأخرى سيئة، معلنين أن أي قديس آخر يخالفهم هو شخص مقيت. في هذا النظام، فَقدَ الإله الكالفيني (Calvinistic God) وظائفه الخالقة والعقابية، لكنه يستمر هنا في إصدار مراسيم لا أساس لها حول ما هو خير وما هو شر.... ماذا عسانا أن نقول عن هذا الدين الوهمي والغريب جداً والشخصي جداً؟ هل هو شبح للكالفينية، عاد دون قوته القديمة ولكن بمظهره القديم من الصلابة والتزمت؟»
كان سانتيانا أول من حطم ”صنم" الأخلاق المطلقة عند راسل ومور، وسخر من كونهما تحولا إلى قديسين يفرضان عقيدة دينية بلا إله يشبه (شبح الكالفينية) وعبارة ”شبح الكالفينية“ يستخدمها سانتيانا بسخرية هنا حيث أن الأخلاق الموضوعية المطلقة عند راسل ومور بأصلها قد تخلت عن أساطير الكالفينية وتهديداتها بالثواب والعقاب وصفات الإله وقدرته، وفي الوقت نفسه احتفظت ”الواقعية اللاطبيعي“ بالتزمت والإيمان الأعمى للكالفينية القديمة. فتحولت الفلسفة لدى هؤلاء كما يقول سانتيانا إلى ”دين وهمي وغريب جداً” وله التزام أخلاقي ”غير مبرر“؟ وهكذا إيمان دون دليل ودين دون إله، أزالوا الخالق وتمسكوا بصفاته ”للهروب من العدمية“ وهنا المشكلة الأخرى التي سخر منها ص92-94 وهي عدم اعطاء راسل أو مور دليلاً على هذا واستخدموا قفزة منطقية تستدعي الإيمان اللاهوتي في البداية.
ومن كتاباته الساخرة تجدون برتراند راسل في النهاية يعترف بما ألزمهم به سانتيانا وصحة نقده وهذا في في الصفحة (267) من مقال راسل بعنوان:
Portraits from Memory And Other Essays
وأعلن بتخليه عن الإيمان بالموضوعية الأخلاقية، كما وُثق اعتراف راسل بشكل مفصل في الملحق التحريري (صفحة 267) من كتابه صور من الذاكرة ومقالات أخرى:
«أنا مدين لـ [سانتيانا] ببعض الفضائل الفلسفية. عندما كنت شاباً، اتفقت مع جي. إي. مور في الاعتقاد بموضوعية الخير والشر. وقد تسبب نقد سانتيانا، في كتاب يُدعى 'رياح العقيدة'، في تخليي عن هذا الرأي، على الرغم من أنني لم أتمكن أبداً من أن أكون هادئاً ومرتاحاً بدونه كما كان هو»
وهكذا حين يواجه الواقعي مقصلة الإلحاد، فهو لا يستطيع أن يثبت عقيدته بالأخلاق لملحد مثله لأنه لا يستطيع البرهنة عليها لأن أساسها مبني على الإيمان والملحد الحقيقي يرفض الإيمان وبقاياه، بينما الواقعي اللاطبيعي يبني مدرسته ”بالاستعارة من النموذج الإلهي“ ويعتمد بالدرجة الأولى على وجود المؤمنين (وهذه نقطة مهمة سنشرحها في نهاية المقال).
لهذا لم يكن غريباً أن تقول الملحدة شارون ستريت أنها مدرسة لا تعتمد إلا على الإيمان غير المبرر وأنها ”أصبحت شكلاً غريباً من أشكال الدين”. ولم يكن غريباً أن يعترف الملحد الواقعي ديفيد كيلورن بهذا ص7 ويقول:
«هذه القاعدة تثبت أن الواقعية القوية تتطلب إيماناً، حتى لو لم يكن لدى الشخص موقف إيجابي ورغبة في صحة معتقده كما هو الحال مع من يخافون الجحيم ولا يتمنون وجوده».
وهكذا مبني كل مذهبهم على الإيمان والتسليم بالغيبيات ثم الانطلاق للبناء الفلسفي فلا فرق بينه وبين المؤمنين غير بشعوره أنه أعمق منك.
فالإلحاد من لوازمه العدمية وانعدام المعنى والغاية ومنه الأخلاق، فالتأسيس للأخلاق الموضوعية دون وجود إله لا يُبنى إلا بتأسيس إيمان ديني يخفى على صاحبه هنا.
فلا غاية ولا بعث ولا حساب ولا قيمة للإنسان فافتراض قوانين أخلاقية تُلزم اتباعها هو ضرباً من الإيمان الاعتباطي في ظل العشوائية وكأن هناك خطة في هذا الكون العشوائي ويجب أن نتبع نمطاً معيناً من السلوك والالتزام به وإلا؟؟ وإلا لا شيء سنذهب إلئ العدم.
فهذا الاعتقاد من بقايا الإيمان الديني القديم وأشار لهذا الفيلسوف الملحد ريتشارد جويس في كتابه (أسطورة الأخلاق) The Myth of Morality في مهاجمته للواقعيين الذين يحاولون الإيمان بحقائق أخلاقية رغم إلحادهم فتجدونه ص167 يشبه هؤلاء الملاحدة برجال الدين واللاهوتيين المخادعين؛ فكلاهما كما يرى يتلاعب بالمصطلحات ويتهرب للحفاظ على هيكل الإيمان (الديني والأخلاقي) وانتقاده في هذا الكتاب ممتاز وسيفيد الباحث.
وفي السياق ذاته في (صفحة 236) يتبنى إشارة الفيلسوف الملحد ”أكسل هاغرستروم“ إلى أن المفاهيم الأخلاقية والقانونية لدى هؤلاء الملحدين المؤمنين بالأخلاق الموضوعية تعود في جذورها إلى ”قوى سحرية خرافية“ تنتمي إلى عالم آخر غير عالم الطبيعة، لتجعلنا نشعر بوجود قوى غامضة في الخلفية نستمد منها الدعم.
• فالملاحدة نوعين:
الأول الملحد الأصولي: الذي يتمسك بمقتضيات إلحاده بالحرف دون تمييع (يشبه السلفية) ويعترف بانعدام الغاية والقيمة والانتهاء بالعدمية بل يتقزز من محاولات الترقيع والتمييع ويرد على الملحدين الذي يحاولون تمييع مذهبه أو إنكاره.
والثاني الملحد الناعم: كما يصفهم الملحد ”جويل ماركس“ في كتابه ص2
«الملحد الناعم يعتقد أنه يمكن للمرء أن يكون ملحدًا، ومع ذلك يظل يؤمن بالأخلاق، إن معظم الملحدون الجدد هم من هذا الصنف الناعم، ولقد كنتُ أنا أيضًا واحدًا منهم، إلى أن مررتُ بلحظة الإدراك الصادمة بصدق قول المؤمنين: إنه من دون الله لا توجد أخلاق لكنني مازلت اعتقد أنهم مخطئون بشأن وجود إله. ولذلك فأنا أعتقد أنه لا توجد أخلاق».
فالملحد الناعم أمثال الواقعيين يحاولون التملص من مقتضيات إلحادهم بالدفاع عن الأخلاق، والتهرب عبر إيمانهم بدين وضعي ميتافيزيقي أشد غرابة من الأديان، هم يشبهون (القرآنيين) هنا. مع العلم أن الملحد جويل ماركس كان مدافعاً شرساً عن الأخلاق الموضوعية دون وجود إله ثم تحول إلى الاعتراف بالعدمية ونشر مقال في 2011 بعنوان: اعترافات رجل كان أخلاقياً سابقاً “Confessions of an Ex-Moralist”
اعترف فيها كيف انتهى الأمر به للعدمية بعد أن كان مدافعاً عن الأخلاق الموضوعية، وقضاء وقته الطويل بالقرآءة والتأليف الدفاعي حول الميتاأخلاق ليبرر الأخلاق أمام المؤمنين بل اعترف وقال كنت أخفي في نفسي أنني حين كنت ”أخلاقياً“ كنت اكرس وقتي لعبادة إلهي الجديد ”الأخلاق“ فهو يعلم أن هذا يخالف مقتضيات إلحاده الذي ينفي الغاية والقيمة ثم يكرس وقته بتقويم سلوكه وكأنَ هناك غاية وقيمة؟ لهذا في عام 2017 نشر كتاب بعنوان:
“Hard Atheism & the Ethics of Desire”
يهاجم فيه أي محاولة لإثبات أخلاق دون وجود إله وخصص نقده للملاحدة الواقعين ومتبني المدرسة الواجبية الذين كما يصفهم يتبنون بقايا إيمان وشبه محاولاتهم ”بالترقيع اللاهوتي” نفس محاولة اللاهوتين فيقول ص2:
«إن الإلحاد الجديد يشبه بشكل مثير للاهتمام، حركة اللاهوت الجديد فهذا يسعى إلى الحفاظ على الله بينما يتبنى النظرة العلمية للعالم، تماماً كما يسعى ”الملحد الناعم“ إلى الحفاظ على الأخلاق مع إقصاء الله... ولذلك، بصفتي لاأخلاقياً الآن، أرى الإلحاد الجديد - بل والأخلاق التحليلية السائدة - ما هي إلا خطابات اعتذارية مهمتها إنقاذ ظواهر الأخلاق (القديمة)»
فالإلحاد كما هو معلوم بداهة من لوازمه انعدام الغاية ومنه أي قيمة مهمة للإنسان أو أفعال هذا الإنسان، فالعدم هو النهاية كما يعبر عن هذا الفيلسوف الملحد وأشهر نقاد الواقعية الأخلاقية جون ماكي (J. L. Mackie) ففي كتابه: ”الأخلاق واختراع الصواب والخطأ” Ethics: Inventing Right and Wrong يرى ماكي أن الموضوعية الأخلاقية لدى الواقعيين والحديث عن الالتزام بالأخلاق وكأنها قوانين كونية ما هي إلا بقايا من الإيمان الديني البحت، كما يقول لقد تخلى هؤلاء عن المُشرّع الإلهي لكنهم احتفظوا بالأخلاق وكأنها اقانون إلهي مُلزم بنفس فكرة الإله القديم عن طريق الإيمان الأعمى بها وكما يصفها أصبحت مجرد تعاويذ ذات ”قوة تنويمية” فيقول ص30-31:
«ثمة طريقة أخرى لتفسير إضفاء الموضوعية على القيم الأخلاقية، وهي أن يُقال إن الأخلاق نظامٌ من القوانين أُزيل منه المشرِّع الإلهي. فهذا النظام قد اشتُقَّ إما من القانون الوضعي للدولة، أو من نظامٍ سابق مفترض للقانون الإلهي. ولا شك أن بعض سمات المفاهيم الأخلاقية الأوروبية الحديثة يمكن إرجاعها إلى الأخلاق اللاهوتية المسيحية».
وهكذا لن نستغرب كيف يتحدثون عن القيمة والأخلاق مع انعدم الغاية وكل شيئاً سيحدث يؤول لشيئاً عظيم إن لم تلتزم بالأخلاق!! ولن يخبرك أنك في النهاية مصيرك إلى العدم.
جمع النقيضين جائر في فلسفة العجائز❗️
بعد شرحنا لإيمانهم بحقائق أخلاقية مجردة في فضاء أفلاطوني وعلمنا بقولهم أنها خاملة سببياً أي ليس لها تدخل سببي في هذا العالم المادي، فهنا يظهر إشكال آخر وهو جمعهم للنقيضين وشرحه أستاذ الفلسفة ميكا بايجرافت كالتالي:
الفعل المادي: ما هو الا حركة ذرات تحدث ولا يكتسب الفعل صفة الحسن أو القبح لأنه “حسن بذاته” أو “قبيح بذاته”.
فالقول بالقبح الذاتي هو قول الواقعية الطبيعية التي تختزل الأخلاق بالعالم الطبيعي دون الحاجة للميتافيزيقيا أو الحقائق المجردة.
بينما الواقعية غير الطبيعية ليسوا على الطريقة الجوهرية/الذاتية هذه بل يكتسب الفعل القبح لأن هناك حقائق أخلاقية مجردة موجودة سلفاً وتُبتنى على الأفعال عبر علاقة التبعية والصنع سنشرحها فيما بعد.
لكن المفاجأة: هم أيضاً يقولون بالقيمة الذاتية!! فالأفعال لديهم قيمتها ذاتية لا تعلل من خارجها! وفي الوقت نفسه تعلل لقيمة من خارجها! فيقعون في اجتماع النقيضين.
تخيل اقول: أن هذه اللوحة الفنية جميلة بذاتها، وجمالها نابع 100% من الألوان والخطوط الموجودة فيها ولا تعتمد على أي شيء خارجها.
ثم أخبرك بعدها: ولكن هذه اللوحة لا تكون جميلة إلا لأنها تتطابق مع خاصية (الجمال المجرد) الموجودة في الفضاء الأفلاطوني، ولولا تلك القوانين المجردة لما كان لهذه اللوحة أي قيمة جمالية وهنا الأحاااا.
وقد أشار لهذا التناقض بايكرافت في ورقته المنشورة لنقد الواقعية غير الطبيعية أو المعيارية ص55 فيقول:
«تشير الواقعية غير الطبيعية بلا إله إلى أن الأشياء يمكن أن تكون لها قيمة ذاتية 'جوهرية'، ولكن في الوقت نفسه تعتمد قيمتها على حقيقة خارجية وهي وجود كيانات أخلاقية مجردة تصف الأفعال التي لها قيمة ذاتية!!... يحاول هؤلاء الجمع بين نقيضين (أن يأكل الكعكة ويحتفظ بها في نفس الوقت) عندما يقول أن شيئاً ما يمكن أن يمتلك قيمة ذاتية بينما قيمته مرتبطة بكيانات أخلاقية مجردة من خارجه».
فإذا كان الفعل قبيحاً لذاته أو حسناً لذاته، فهذا يعني أن قيمته الأخلاقية كامنة فيه من حيث هو هو، لا من حيث علاقته بشيء خارج عنه، أما إذا كانت قيمته الأخلاقية لا تثبت إلا بسبب حقائق مجردة خارجية هنا قيمته لم تعد ذاتية بل صارت مستندة إلى ما هو خارج عنه، هذا مثل القول بأن الشيء ذاتي وغير ذاتي بنفس الوقت.
ولكن كيف ترتبط هذه المجردات بالأفعال إذا كانت مستقلة عن العالم المادي وخاملة سببياً❗️
وهنا المثير للشفقة عند رؤية محاولتهم تفسير كيفية ابتناء هذه الحقائق المجردة بالأفعال المادية لتصفها بالحسن أو القبح، وهذا الإشكال صاغة الفيلسوف الملحد جون ماكيفيذكر ص62 :
كيف ترتبط هذه الحقائق المجردة غير المادية والخاملة سببياً والتي ليست من هذا العالم بالفعل المادي؟ وكيف تميز هذا الفعل بالذات عن غيره؟
• آلية الابتناء او التبعية (Supervenience)
• وعلاقة الجعل او الصنع (Making Relation)
هذا المفهوم يستخدمه الفلاسفة الواقعيون للخروج من الورطة التي ذكرها ماكي في مؤلفه الشهير لنقد الواقعية غير الطبيعية، ولتفسير كيف يمكن للحقائق الأخلاقية المجردة (التي توجد خارج العالم المادي) أن ترتبط وتصف الأفعال المادية المحددة في عالمنا؟
وكيف تميز كل فعل عن الآخر؟ حيث يرون أن هذه الخصائص الأخلاقية لا تطفوا بحرية بل هي خصائص مُبتناة تتجسد على الأفعال التي تحدث في الواقع إذا حققت شروط معينة!!
ولكن تبقت مشكلة❗️
هم يقولون أن هذه الحقائق المجردة خاملة سببياً أي أن ليس لها أي تدخل سببي في الواقع المادي فكيف تصف فعل مادي بالقبح أو الحسن؟
لهذا أشار ويلينبرغ في كتابه ص11، أن الابتناء أو التبعية في صورتها التقليدية مجرد تلازم منطقي لا تحل الاشكال ولا تملك قوة تفسيرية!
واستشكال ماكي لم ينكره ويلينبيرغ بل تبناه هو وديفيد إينوخ، وروس شيفر-لاندرو كما هو الحال مع بارفيت وبقية الواقعيين، ولأن الابتناء أو التبعية لا تحل المشكلة فهنا صاغوا شيء أثقل من الإيمان ”بحورية البحر” وهي:
علاقة الصنع أو الجعل (Making Relation)❗️
تسبب هذا المصطلح بسخرية الملحدين أنفسهم منها. وهو ادعاء وجود علاقة سببية قوية (Robust causation) بين الكيانات المجردة والأفعال المادية، بحيث تكون الأفعال المادية هي السبب في تجسد او استدعاء الخصائص الأخلاقية لأننا كما شرحنا قد ألزموا أنفسهم بأن هذه المجردات خاملة سببياً فكيف تتسبب بوصف فعل مادي بالقبح وآخر بالحسن؟ فجعلوا السببية للربط بينهما هنا تأتي من الفعل المادي؟
بالقول: أن الأفعال المادية تسبب بالاستدعاء السببي يعني عندما يحدث فعل مادي في العالم الطبيعي (اعطيت فقير مساعدة - أو عذبت شخص لأجل المتعة) فهنا هذا الفعل المادي ”يصنع“ أو ”يُنشئ“ ظروف تجعل القيمة الأخلاقية المجردة «الخير أو الشر» تتجسد وتلتصق بهذا الفعل... فتأمل الهبد ولا تخف هناك ما هو أعظم منه فتريث ولا تضيع ضحكاتك هنا من تفسيرهم للربط بين الحقيقة خارج العالم الطبيعي وكيفية تحققها بالعالم الطبيعي ومعرفتنا لها عبر ”الحدس الأخلاقي“ (فقط تذكر هذه النقطة سنناقشها في نهاية المقال في معضلة يوثيفرو في الواقعية).
وإذا لم تفهم علاقة الجعل وتستوعب ما سبق❗️
فلا بأس إذا لم تفهم ”علاقة التبعية والجعل“ وكيف ترتبط الحقائق المجردة عن العالم المادي بالأفعال المادية فهذا ليس لقصورٍ في ادراكك أو لقلة اطلاعك بالفلسفة (لا) بل الواقعيين أنفسهم لا يفهمونها كما يصرح الفيلسوف الملحد آلان جيبارد Allan Gibbard فيقول ص11:
«أنا شخصياً لا أعرف ما هي الخصائص غير الطبيعية وغير الأنطولوجية، أو ما هي الاستجابة غير السببية؟، على الرغم من أن بارفيت يقول بعض الأشياء حول هذا، وربما يمكن تقديم تفسيرات مفهومة. ولكن كما قرأت لبارفيت، فهو لا يدعي معرفة ذلك أيضاً»
فهو نفسه يصرح بعدم فهمه (وعدم فهم بارفيت نفسه) لكيفية العلاقة غير السببية هذه؟ أو فهم لعلاقة الجعل! ويبدو لي سبب هذا واضحاً حين قرأت للملحد ستيفن شايفر وهو يصف مصطلح التبعية بأنها مثل العلاقة السحرية لا تحل شيئاً مجرد إضافة غموض إلى غموض ص565، وهكذا شيء مبني على الإيمان، وقد اعترف ديريك بارفيت أن نظريتهم الأخلاقية نظرية بدائية تعاني من عيوب ومشاكل ميتافيزيقية ص11.
وكما يشرح ويليام كرايغ نقلاً عن الملحد ترينيس هورغان هذا الاستشكال ص62 قائلاً:
«عندما تحدث المواقف الفيزيائية الصحيحة في العالم، فإن هذه الكيانات المجردة تُبتنى على هذه المواقف. كيف يمكن لهذه الكيانات المجردة مثل الخير أو الشر أن تبتنى على المواقف الفيزيائية؟ ولا يصح ان يقولوا أن هذا يحدث هكذا كما لو كان سحراً لهذا يدعوا أن الأشياء المادية تتسبب في جعل الكيانات المجردة تبتنى على المواقف المادية. هذا ليس ابتناءً عادياً؛ بل هو ما أطلق عليه تيرينس هورغان بسخرية اسم الابتناء الخارق (superdupervenience)»
لهذا يجب عليك أن تتحلى بالإيمان والتقوى الطبيعية لتفهم علاقة التبعية والجعل فهي علاقة سحرية كما صرح الفيلسوف الواقعي الملحد صموئيل ألكسندر وقالها بصريح العبارة وذكرها تيرينيس هورغان بشكل ساخر في ورقته النقدية التي بعنوان:
From Supervenience to Superdupervenience
والتي ينتقد فيها بشكلٍ ساخر التبعية التي يؤمن بها هؤلاء وقال ص558:
«علينا أن نقبلها «بتقوى طبيعية»، كما يعبر السيد ألكسندر»
حتى الفيلسوف الملحد برايان غاريت في كتابه «ما هذا الشيء الذي يسمى الميتافيزيقا» يسخر من محاولة جعل للمجردات تدخل سببي في العالم المادي، ولتستيقن بهذه العلاقة وتدفع الشبهات عن قلبك العقلاني الملحد يجب عليك أن تتحلى ”بالتقوى الطبيعية“ كما قالها ألكسندر هكذا حرفياً، ولا أحد يفهم هل هؤلاء القوم يعون ما يكتبونه؟ وهل أقزام التيك توك حتى يعون ما يثرثرون به؟ لما كل محاولة منهم لا تنتهي إلا بصيغة الإيمان مرة دون تفسير ومرة بعلاقة سحرية لا تُفسر ومرة يدعونهم للتحلي بالتقوى الطبيعية؟
هي مثل إرادة الله❗️
لم يستطع الواقعيون تبرير تدخل هذه الحقائق الأخلاقية المجردة في عالمنا المادي أو شرح كيفية هذه العلاقة الميتافيزيقية الغريبة؟ دون أن يقعوا ”بحجة الغرابة“ التي صاغها ضدهم الفيلسوف الملحد جون ماكي، ومع كل جرعات الإيمان التي قرأتموها هنا تخيلوا أن إيريك ويلينبرغ حين شرحه لهذه العلاقة الغريبة لم يستطع صياغة مثال للتدخل غير السببي لكيانات غير مادية وخاملة سببياً خارج العالم الطبيعي بأفعال مادية في هذا العالم الطبيعي، او رفع الاشكال فذهب يشبه هذا بما يقوله أهل التوحيد عن ارتباط مشيئة الله بحصول الأشياء!!، أي أنه يريد “صنعا” من نوعٍ قوي جداً فيقول ويلينبرغ ص89 :
«المثال النموذجي لنوع السببية القوية التي أفكر فيها هي العلاقة السببية التي يعتقدها العديد من المؤمنين بين مشيئة الله وحصول (أو تحقق) تلك المشيئة في الأشياء، فهي لا تعتمد على وجود قانون طبيعي يربط بين أفعال المشيئة الإلهية وحالات الأشياء»
إلهكم له مشيئة تتحقق؟
وكذلك الحقائق المجردة القائمة بذاتها التي نؤمن بها تتحقق بالأفعال المادية بنفس الطريقة تتحقق فيها مشيئة إلهكم. أنتم تؤمنون ونحن نؤمن وكل دعواهم إيمان مثلك بالضبط ولكن الفرق أن المعاتيه يشعرون بالعمق، كما يقول بايكرافت مختصراً لهذا ص26 تحديداً:
«إن الأنطولوجيا الواقعية (غير الطبيعية) تستبدل هذه الحقائق الأخلاقية المجردة مكان الله كما وضحنا في الفصل الأول»
فيرد بايكرافت على ويلينبرغ ص90 أن الله متصف بالإرادة والحكمة بعكس تلك الحقائق المجردة ليست واعية أو مريدة، أو لعلهم لا يستطيعون حل اشكالاٍ واحد بشكل عقلي فلسفي دون إقحام إيمانك ليبرهنوا عبر إيمانك ما يؤمنون به، فليخبروا الناس أن مذهبهم مبني على الإيمان وأنه دين بدلاً من استخدام أمثلة فحواها: ”أنتم مؤمنين بهذا أيضاً“ الأصح أن يقولوا: نحن مؤمنون معك أيضاً.
ولهذا تفهمون الآن لماذا قال الملحد جون ماكي سابقاً بأن وجود هذه الحقائق الأخلاقية المجردة مع علاقة التبعية التي يدعيها هؤلاء يجعل الإيمان بالله منطقياً وأكثر احتمالاً مما يدعونه ص99.
بل إريك ويلينبيرغ بنفسه بعد محاولته تفسير ارتباط الحقائق المجردة بالواقع عبر ما يسميه علاقة الصنع يعترف فيقول ص66:
«يجب الاعتراف بأن اللجوء إلى 'علاقة الصنع' يجعل المدرسة الواقعية المعيارية أقل جاذبية في بعض النواحي من بعض منافسيها. ويجب الاعتراف بأن التفسيرات الخاصة بعلاقات الابتناء التي تلجأ إلى 'علاقة الصنع' قد لا تكون عميقة مثل الأنواع الأخرى من التفسيرات»
وهذا اعتراف من أشهر متصدريهم بالغرب بهذا الاشكال الذي يُبتنى على قفزة إيمانية غريبة وافتراضاً فقط. ما يهم أن هناك رد مكتوب وخلاص وأنت أحمق جاهل بمذهبهم المبني على العقل والفلسفة، وبعد هذا تعلمون لما يعترف الفيلسوف الواقعي الملحد ديفيد كيلرون بهذا الدين ويقول في ورقته: الواقعية دين بامتياز ص5:
«أعتقد أن الواقعية الأخلاقية على وجه الخصوص تتطلب قفزة إيمانية وهي بمعنى مهم للغاية نوع من الدين. وأعتقد أننا نحن الذين نقبلها يجب أن نتبنى العنصر الديني في وجهة نظرنا بدلاً من مقاومته أو الاعتراف به على مضض»
الأخلاق مثل الحقائق الرياضية❗️
تسمع الخطابات الشعبوية للواقعيين في محاولتهم ترقيع إيمانهم بهذا الدين الفلسفي عبر تشبيه الحقائق الأخلاقية المجردة بالحقائق الرياضية المجردة ابتداءً من جي إل مور وانتهاءً بأقزام التيك توك فيذكر مارتن ياكوبسن ص97:
«أن بارفيت يقارن مراراً وتكراراً الأخلاق بالرياضيات والمنطق»
اعتقد بعد الاستعراض السابق لمثال لمعتوه الذي يدعي أن الملوحة حقيقة أزلية مجرة وليست صفة، لا احتاج بعدها أن ارد على هذه النقطة البلهاء لتشبيههم الأخلاق بالحقائق الرياضية.
فالرياضيات ليست ملزمة بذاتها؟ ليست معيارية، يمكن البرهنة عليها ودراستها، يمكن صياغتها وإنشاء قوانين ومعادلات جديدة، بعكس الأخلاق هل يمكن صياغتها بمعادلة؟ دراسة قانون ثابت لها؟ هل يمكن اكتشاف قانون أخلاقي جديد مثل الرياضيات، بل تجد الفيلسوف لوك تايلور لديه ورقة كاملة بعنوان: ما الغريب في الأخلاق الواقعية؟ تلخص المشاكل الميتافيزيقية لهؤلاء والرد عليهم ومنها محاولة إقحام الرياضيات بتشبيهها بالأخلاق ويذكر ص3 اندماج الرياضيات في التفسيرات العلمية واتساقها وسهولة اثباتها بعكس الأخلاق لا تُفسر.
مشكلة الوصول المعرفي (Epistemic Access)
وقد ذكرتها الفيلسوفة الملحدة شارون بيري بورقة كاملة تنقض فيها تشبيه الرياضيات بالاخلاق حيث تشرح ص2: ان للرياضيات إمكانية في البرهنة بأكثر من طريقة وهذا بعكس طبيعة الاستقصاء الأخلاقي، وهو كما تقول فارق يبرر التخلي عن هذه المقارنة بين الأخلاق والرياضيات. وقد أشار لهذا الفيلسوف إسبن أوتوسين كذلك في ورقة نقدية كاملة وذكر هذا بوضوح ص11.
ويشير الفيلسوف مارتن جاكوبسن ص1 إلى أن الكيانات المجردة مثل الرياضيات خاملة سببياً، عندما تقوم بضم تفاحتين إلى تفاحتين، فإنك تحصل على 4 تفاحات لا تجد أي أستاذ رياضيات يخبرك:
أن الحدث المادي هنا (بضم التفاحتين) يتسبب في استدعاء الرقم 4 المجرد من السماء الأفلاطوني ليتجسد على التفاح عبر علاقة صنع سببية غريبة، الرقم 4 هو مجرد وصف مفاهيمي وكمي للواقع فالرياضيات لا ترتبط بأفعالنا لتنشئ خصائص من خلال علاقات سببية ميتافيزيقية غريبة.
بينما الأخلاق الواقعية فيها (ابتناء خارق وعلاقة صنع) وهذا لا ينكره أي واقعي غير طبيعي (ولا يستطيع إنكارها وإلا وقع بمشكلة أعظم) فالأخلاق هنا تتطلب آلية خيالية؛ فهو يفترض عندما تقوم أنت بفعل مادي في عالمنا (مثلاً: إطعام فقير) فإن هذا الحدث الفيزيائي المادي يمتلك بطريقة غامضة قوة سببية ليجذب صفة الخير المجردة لتتجلى بالفعل وهذا عبر ”علاقة الصنع” Making Relation علاقة أشبه بالسحر.
فهذه المقارنة فاسدة بأكثر من وجه، والفلاسفة العدميين أنفسهم ردوا عليها وبينوا فشلها مثل الفيلسوف الملحد جون ماكي الذي صاغ حجة الغرابة Argument from Queerness وينفي فيها ماكي أي تشبيه لهذه الحقائق الأخلاقية المجردة بالرياضيات أو أي حقيقة ميتافيزيقية أخرى لأنها لا تفسر؟ أزلية قائمة بذاتها ولا تعلل؟ ولا يمكن إثباتها أو البرهنة عليها؟ ولها سلطة آمرة ومعيارية مُلزمة فور معرفتها!!. لدرجة أن ماكي بنفسه يقول ص98-99:
«أن وجود حقائق ميتافيزيقية وموضوعية وآمرة بطبيعتها يجعل وجود إله أكثر احتمالاً مما كان سيكون عليه الحال»
ومن المؤكد أن ماكي محق مثل الملحدة أناندي هاتيانغادي حين صرحا أن الخصائص أو الحقائق الأخلاقية المفترضة ليست غريبة فقط مقارنة بالحقائق الطبيعية، بل أيضاً مقارنة بغيرها من الحقائق غير الطبيعية مثل الرياضيات وتقول ص13:
«إذا قارنا الحقائق الرياضية بالحقائق الأخلاقية المجردة، فإننا سنجد فرقاً جوهرياً»
ولعلك تسأل لماذا فتجده تستمر بالشرح:
«حتى لو افترضنا وجود حقائق رياضية موضوعية وقائمة بذاتها، فإننا لا نفترض أنها إلزامية (آمرة)، بعكس افتراض وجود حقائق أخلاقية معيارية، فإننا هنا نفترض وجود حقائق قائمة بذاتها وتكون أيضاً آمرة وملزمة بشكل قاطع... فإن افتراض هذا يعني افتراض كيانات ميتافيزيقية غريبة بطبيعتها»
لهذا كثير من الفلاسفة يهاجمون بل يسخرون من تشبيههم لهذه الحقائق الأخلاقية بالرياضيات ليهربوا من ورطة الغرابة والتأليه، وتجدون الفيلسوف مارتن جاكبسن في رده على ديريك بارفيت يذكر ان المقارنة اشكالية بحد ذاتها فالرياضيات حقائق وصفية تحليلية لا تحتاج لما يؤكدها من الخارج بعكس الأخلاق حقائق معيارية فكتب ص101:
«الحقائق الرياضية تحليلية بأصلها.... وإذا كانت الحقائق الأخلاقية تحليلية مثل الرياضيات، فيمكن التعامل معها بشكل مشابه للرياضيات (صياغة معادلات أخلاقية مثلاً). ولكن طالما أن الحقائق الأخلاقية لا تُعتبر تحليلية، فإن هذا القياس بينهما ينهار».
فلا وجه للمقارنة هنا، هذا من غير ان بارفيت نفسه يتناقض نفسه بعدها ويعترف أن الأخلاق ليست حقائق تحليلية ص102 لذلك يلزمه جاكبسن: طالما أنك تعترف أن الأخلاق ليست تحليلية مثل الرياضيات فلا وجه للمقارنة بينهما فانهدمت حجة هؤلاء من قبل أن تبدأ وكما يضيف جاكبسين ص 148:
«الرياضيات والمنطق هي مجرد استدلالات إجرائية وآلية تحليلية، بينما الاستدلالات الأخلاقية هي موضوعية غائية معيارية، وهما نوعان مختلفان تماماً ولا ينبع أحدهما من الآخر».
وكذلك الملحد الواقعي ديفيد إينوخ يعترف بصعوبة التشبيه بين الرياضيات والأخلاق ص5 فوجه المقارنة بينهما فاشلة وقد حاول الملحد مايكل بي. جل Michael B. Gill لديه ورقة كاملة بعنوان:
Morality is Not Like Mathematics: The Weakness of the Math-Moral Analogy الأخلاق ليست مثل الرياضيات: ضعف تشبيه الرياضيات بالأخلاق
مستعرض فيها كل محاولات الملحدين لتشبيه الأخلاق بالرياضيات فيقول في نهايتها:
«إن هذه الحجج تعجز عن إثبات أوجه تشابه أنطولوجية وإبستمولوجية بين الأخلاق والرياضيات. صحيحٌ أن هناك أوجه تشابه بين المجالين، إلا أن أوجه الاختلاف بينهما أكثر أهمية، مما يُقوِّض محاولة منح الأخلاق المكانة الأنطولوجية والإبستمولوجية نفسها التي تتمتع بها الرياضيات»
ويكفي أنني لو أخبرت القارئ حقيقة أنني في أيام الثانوية قبل سنوات كنت أخطئ بمسائل رياضية لن يهتم أعرف، ولكن إذا أخبرته بأنني قتلت طفلاً بريئاً قبل سنوات سيهتم، نعم لهذا الأخلاق هي مثل الرياضيات.
نقاش الميتاأخلاق مضيعة للوقت لماذا❗️
لأن الملحد الواقعي لا يبني مدرسته الأخلاقية أو يستطيع البرهنة عليها عند مواجهة ”ملحد مثله“.
فالواقعي لا يبني وجود أخلاق موضوعية إلا عبر توظيف النموذج الإلهي في حواراته مع المؤمنين كما أشار الفيلسوف بايكرافت لهذا في ورقته النقدية باسم تسريب المفاهيمSmuggling concepts وهو اعتماد الواقعيين على النموذج الإلهي للبرهنة بأكثر من موضع مثل توضيحه ص32-33 إزالتهم لوجود الله والإبقاء على صفاته، وكذلك عند محاولتهم إثبات سلطة الأخلاق وقوتها الملزمة، فإنهم يستعيرون من الهياكل الإيمانية ويحاولون تطبيقها على حقائق مجردة مع الحفاظ على قوة الكائن الإلهي فيقول ص135:
«وهكذا (الواقعي) يدعي أن سلطة الالتزامات الأخلاقية تأتي لأن الفعل له قيمة ذاتية (لا تعلل)، وفي الوقت نفسه (يعللها) من الأشياء الأخلاقية المجردة (التي تتجسد على الفعل)، وفي كلتا الحالتين، هناك افتراض للسلطة مستعيراً من الهياكل الدينية ويحاول تطبيقها على الحقائق المجردة مع الحفاظ على قوة الكائن الإلهي».
وهذا نفس الذي أشار إليه بشكلٍ ساخر الفيلسوف الملحد جورج سانتيانا بسرقة المفاهيم الإلهية والإيمانية كالإلزام والسلطة الأخلاقية والقيمة بل وصف مدرستهم بأنها: (تحول الإله إلى شبح كالفيني فقد وجوده وقدرته وبقت صفاته وسلطته الآمرة) لتؤسس لنفسها أرضية، ولكن تأمل أنها تنهار تماماً عندما تواجه الإلحاد العدمي أو التطوري عبر ”حجج الدحض التطوري“ أو ملحد لا يؤمن مثلهم.
تسريب المفاهيمSmuggling concepts❗️
لاحظ في مناظرات الواقعيين حول الأخلاق لن تسمعهم يبنوا مقدمات وبرهان لقولهم بوجود حقائق أخلاقية مجردة هم فقط يوظفون ”الإيمان المسبق عند المستمع المؤمن” بأن هناك بالفعل غاية وقيمة من وجودنا وليست حياة عبثية، ليؤسسوا عبرها مقدماتهم الأولى، لهذا لن تجد ملحد واقعي يبدأ مناظرته بذكر مقدمات إلحاده قائلاً:
«الله غير موجود لقد جئنا من الطبيعة بعشوائية وذاهبون إلى العدم ونحن في عالم لم يأبه أو يقصد تواجد البشر فيه (وهذا طرح إيريك ويلينبرغ أصلاً في تناقض غريب في كتابه ”الأخلاق القوية“)»
الكلام السابق مقدمة يحرص الملحد كل الحرص من الهروب منها وعدم تذكير المستمعين بها ولكن تخيل أنه قالها❗️ثم أكمل بالقول:
«ومن مقدمتي السابقة من أننا نتاج العشوائية أؤكد لكم أن هناك حقائق وقيم أخلاقية موضوعية، وقوانين كونية تقيّم السلوك البشري بالصواب والخطأ وتجعل لأفعالنا قيمة موضوعية قبل ذهابنا إلى العدم».
تخيل نفسك مكانه هل تستطيع عبر المقدمة بناء النتيجة التي هي محل النزاع؟
فالحديث عن معنى الإلحادوالعشوائية لن يهمس بها الواقعي أمام المستمعين أبداً هو سيقفز مباشرة ــــــــــ معتمداً على إيمان المستمعين ”بالقيمة من تواجدنا“ ليثرثر بهراء يتناقض مع مقتضيات إلحاده.
ولأن هذا مثير للشفقة يمكنكم تخيل شعور الملحدين النقاد للواقعية أمثال سانتيانا الذي كتب ص100:
«إن ما هو موجود (في الطبيعة) أصم عن هذا التأكيد الأخلاقي للسيد راسل؛ لماذا يجب على الطبيعة أن تُخضِع عشوائيتها لخير هو بحد ذاته عشوائي تماماً؟»
ويمكنكم تخيل شعور الملحد المتحول للعدمية جويل ماركس حين وصفهم ”بالملحد الناعم” فالمقدمات نفسها تنقض النتيجة لهذا كان أغلب نقاد الواقعية ملحدين وليسوا مؤمنين.
وهكذا ناقشهم وكأنك ملحد عدمي❗️
ففي مقام المناظرة والبرهان لا يستطيع الواقعي أن يثبت للملحد المخالف له بأن ”الظلم والكذب“ قبيح فهو لا يستطيع البناء أصلاً إلا عبر توظيف إيمان المؤمن بصفات الله فيتخذ الواقعي ذات الله معياراً للتقييم فتجده يسأل المؤمن:
هل يجوز أن يتصف الله بالكذب؟
فيجيب المؤمن: لا يجوز — هنا يقفز من الفرح
هل رأيت؟ هذا دليل أن الكذب قبيح بذاته، ووجود حقائق أخلاقية لا تحتاج إلى وجود الله هو هنا بالأصل أعاد هذه الحقائق لذات الله وجعل الله معياراً لتقييم موضوعية هذه الأخلاق التي يدعي وجودها دون وجود الله، بل هو وظف النموذج الإلهي نفسه كبرهان وجعل الصفات تعوم وحدها كشبح عائد لإله الكالفينية.
ولكن عندما يكون الخصم ملحد فإنه يعجز الواقعي عن البرهان عليها أو اعادتها لمرجع عند خصمه الملحد ليقيس عليها موضوعيتها حتى وأن قال ”بالحدس الأخلاقي“ والضرورة فسيخبره العدمي:
”هذه الحدس الأخلاقي الذي تدعي ضروريته ما هو إلا جينات تطورية لتحافظ على البقاء ولا تثبت وجود حقائق أخلاقية معيارية“
فيُسحقون دائماً أمام مطرقة الإلحاد كما سُحق برتراند راسل أمام مقصلة جورج سنتيانا ثم تخلي راسل عن الواقعية بسببه، وكما سُحق طلاب جي. أي. مور أمام ديفيد لورانس ولم يستطيعوا البرهنة على وجود هذه الحقائق الأخلاقية المجردة واكتفوا بإعادة طقوس العبادة والتأمل لها.
فلو كانوا يمتلكون برهاناْ مستقلاً لبناء الأخلاق، لما احتاجوا إلى الإستناد على إيمانك أو ذكر اعتقادك بالله في برهانهم إذا كان برهاناً فلسفياً عقلياً أصلاً وليس إيماناً.
مشاكل الواقعي مع الإلحاد أكثر من مشاكله مع الإيمان❗️
كما وضحنا سابقاً وأثبتنا أن ”الواقعية اللاطبيعية“ Non-Natural Realism بأصلها منذ نشأتها الأولى مؤسسة على الإيمان فالبناء التي أُسست عليه من البداية ديني مبني على اللاهوت، وخير هادم لمذهب هؤلاء المؤمنين بالواقعيةهو الإلحاد نفسه!!.
وانك لتستغرب حين تتأمل المقالات الأكاديمية وتعلم أن أشرس النقاد لهذه المدرسة هم ”الفلاسفة الملحدين أنفسهم“ فمن هدم هذه المدرسة ووجه لها أقوى الضربات ”ملاحدة“ معتبرين الواقعيين مهراطقة يبتدعون إيمان مع إلحاد، حتى كتب المؤمنين المسيحيين في نقدهم كل استدلالاتهم وحججهم ماهي إلا إعادة لحجج الملحدين الذين قطعوا رحم هذه المدرسة قبل أن تولد متبرئين من هذا الدين والإيمان التي أُسست عليه!! فهذه المدرسة عدوها الإلحاد نفسه.
الواقعية تقوم على بقاء خصومها المؤمنين❗️
لهذا تحتاج هذه المدرسة لخصوم مؤمنين بالله لتؤسس حججها على ايمانهم، فكما رأيتم كيف يتساقطون أمام مواجهة خصومهم الملحدين كأوراق تحثوها الرياح، لأن الواقعي الملحد ليس إلا متدين يقتات على بقايا إيمان المؤمنين بل لا يؤسس للأخلاق إلا عبر توظيف إيمان المؤمنين واستخدام ”النموذج الإلهي“ لديهم كأساس خفي يرتكز عليه.
كما يشرح بايكرافت هذا ص142-143 أن الواقعية الأخلاقية تعيش ”عالة“ على الإيمان وبدون إيمان مسبق لدى الناس تنهار أدلتهم كما وضح الفيلسوفين ”ديفيد باجيت” و”جيري وولز“ إن السبب الأول لجرأة الواقعيين على طرح نظريتهم الأخلاقية بهذا الشكل الساذج غير المفسر بعد إزالة التأسيس الأنطولوجي لها هو أن ”الوعي الأخلاقي” في المجتمعات قد تشبع مسبقاً بالإيمان بالله والقيمة والغاية من وجود البشر، حيث أعانهم هذا على عبء التوضيح فهم يستعينون بإيمان المستمع بالغاية والقيمة ليبرهنوا عبره ما يؤمنون به.
قد رأيتم كيف أن ويلينبرغ ❗️
لكي يشرح كيف ترتبط هذه الأخلاق المجردة بالواقع المادي عبر علاقة ”الجعل والتبعية“ اضطر إلى الاعتماد على الإيمان بالله عبر استخدام قياسات لاهوتية مثل الإرادة الإلهية، والحفظ الإلهي ليبرر نظريته في كيفية ارتباط هذه الحقائق المجردة بالعالم المادي فشبهها بإرادة الله ولكن الملحدين الذين استشكلوا هذه العلاقة لن ترضيهم هذه الاجابة فهم لا يؤمنون بالله أصلاً ففي كل مرة تناظر الواقعي وتحشره يضطر إلى تسريب مفهوم ديني ليؤسس عليه وهذا التكتيك يفشل حين يكون الخصم ملحد فيعلق بايكرافت عن هذا ويقول ص94:
«إن ويلينبيرغ يُظهر عن غير قصد تفوق الإيمان بالله وضرورته لتفسير الواقعية الأخلاقية عندما يستخدم هذه القياسات من النموذج الإلهي».
فالملاحدة أنفسهم كما شرحنا استشكلوا هذا، ولم يستطع الواقعيون أن يشرحوا علاقة الارتباط السحرية هذه!!.
ولكن يستطعيون شرحها للمؤمن عبر استخدام إيمان المؤمنين بالمشيئة الإلهية، ولا أبالغ حين اقول الواقعيين يحتاجوا إلى وجود المؤمنين لبرهنة مذهبهم عبر ”تسريب المفاهم الإيمانية” منهم.
• تخيل لو تحول كل الناس إلى العدمية❗️
الحجج المبنية على النموذج الإلهي انتهت هنا، هل يستطيع الآن الواقعي البرهنة على وجود أخلاق موضوعية لهؤلاء؟
ليس لدى الواقعي هنا أي معيار يرجع إليها صفات الحسن والقبح (كما كان يفعل مع المؤمن) ليثبت للملحد العدمي وجود أخلاق موضوعية، لا البناء العقلي ولا معضلة يوثيفرو ولا استخدام سؤال: هل يجوز أن يتصف الله بالكذب؟ كلها لا تنفع.
فالواقعية تحتاج لبقاء خصومها المؤمنين لتُقيم إيمانها تبعاً لإيمانهم أما العدمي الصرف (وهو المثال الحقيقي للوازم الإلحاد) يعد مقصلة تقضي عليهم، لأجل هذا في نقاشاتك كمسلم معهم أقلب عدمي لمدة ساعة واحدة ثم تأمل حالهم فقط حين تراه يصرخ عليك أنت تسفسط ولا تؤمن بمقدمات أنا ادعي أنها بديهية وينسي أن الإيمان بالله كذلك مقدمة بديهية.
يتبادر سؤال معضلة يوثيفرو❗️
«هل العدل حسن لأن الله أمر به، أم أن الله أمر بالعدل لأنه حسن»
لاحظ أن السؤال بذاته مغالطة تحصرك بين إجابتين يسمى هذا الحصر بالمأزق المصطنع: هل توقفت عن ضرب زوجتك؟ إذا اجبت بنعم: فأنت كنت تضربها! وإذا أجبت بـ “لا” فأنت تضربها! بينما الأصل أنك لا تضربها فهناك جواب ثالث.
جواب يوثيفرو بمنهج أهل السنة❗️
نحن أهل السنة نعتقد أن الله تعالى وصفاته وطبيعته وأفعاله سبحانه كلها كمال وهو المبدأ الأعلى لتفسير القيمة، فكمال طبيعته وصفاته هي حقائق أولية لا تُفسر أو تؤسس من مبدأ قيمة أعلى أو خارج عنها بل هي مصدر التفسير الأول للقيمة لا تُفسر بمصدرٍ أعلى وإلا وقعنا بالتسلسل بتفسير القيمة بقيمة أعلى منها، فأساس الأخلاق الموضوعي لدينا عائد لصفات الله وطبيعته الكاملة وهي واجبة وأزلية.
وهذا الإله العظيم خلق طباعنا لنحب ما يحبه ولنبغض ما يبغضه ومحبة الله للشيء نابعة من طبيعة صفاته سبحانه وذاته وصفاته وطبيعته واجبة كما أشار ابن تيمية سابقاً، فالعادل يحب العدل، والصادق يحب الصدق فمنتهي هذه الأفعال واتصافها بالحسن والقبح والكمال والنقص وملاءمتها لطباعنا أو منافرتها عائدة الى طبيعة الله وصفاته فهو خالق الأشياء وطبائعها ومصالحها ومفاسدها، وخالق طباع الإنسان المستجيبة لهذه الأفعال بمحبة العدل وبغض الظلم وحب تحقيق المصالح ودفع المفاسد، لأن خالقهم محب للعدل مبغض للظلم وحبه وبغضه هنا نابع ”من صفاته وطبيعته الواجبة“ سلسلة أسباب متسقة لا تنفك عن بعضها فنهاية الأساس الموضوعي للأخلاق عائد إلى الله. أكرر بعض الجمل عامداً لتثبت بذهن القارئ.
• فإذا سأل الملحد: لماذا العدل حسن؟
أجبنا مجدداً: لأنه صفة من صفات الله فهو مصدر القيمة الأولى للتفسير كحقيقة أولية لا تُفسر من خارجها، فأنت كواقعي لو سألناك لماذا خاصية العدل حسنة؟ ستجيب هي المصدر الأول للقيمة كحقيقة أولية لا تُفسر من خارجها، وهذا ما نقوله بصفات ربنا هي مصدر القيمة لا تحتاج لقيمة أخرى لتؤسسها، وكما قلنا وأثبتنا في هذا المقال إنما أنت بشبح لإله الكالفينية أزلت الله وأبقيت على صفاته قائمة بالوجود كشبح وتقول في هذه الحقائق المجردة ما نقوله نحن بصفات الله.
فإذا قال: إذا كانت نابعة من حب الله للعدل فهل يمكن أن يحب الله الظلم ويصير حسناً؟
قلنا ياتلحود: ألم تلاحظ قول شيخ الإسلام أن صفات الواجب واجبة في درء تعارض العقل والنقل/21 فقال:
«وأما الصفات التي لا تقوم إلا به فإن قيل بقدمها أو وجوبها فلا ريب أنها ليست قائمة بنفسها بل لا تقوم إلا بالموصوف وحقيقة الأمر أن القديم الواجب بنفسه هو الذات المستلزمة لصفات الكمال وأما ذات مجردة عن هذه الصفات أو صفات مجردة عنها فلا وجود لها فضلا عن أن تكون واجبة بنفسها أو قديمة»
فطبيعة الله المحبة للعدل هنا نابعة من صفاته، وطبيعته وصفات أزلية وواجبة محال أن تنقلب، فهو عادل لأنه بطبيعته يحب العدل ويفعل العدل ويأمر بالعدل فهذا معنى اتصافه بالعدل وأنت بسؤالك تفترض كونه عادل يحب العدل وفي الوقت نفسه خلق طباع خلقه ليحبوا الظلم ويروه حسنً الجملة نفسها كافية للرد.
ولكن أهل السنة يقولون أن الأفعال لها صفات ذاتية فأمر الله بها❗️
هذا الخلط شائع بشكل غريب ونرد عليه مرتين لأهميته وأن لا يقع الخلط عند الناسُ فقول أهل السنة أن الأفعال متصفة بذاتها بالحسن والقبح لا يقصدون به الصفة اللازمة أو جواهر تقوم بالفعل كقيام اللون بالجسم بل يقصدون شيء عارض أي أن ذات الفعل يكون مُنشئ للمصلحة أو المفسدة ومستلزماً للكمال والنقص وعلاقة الفعل وملاءمته للطبع وقد نبه عليه ابن القيم فيقول:
“كون الفعل حسنًا أو قبيحًا لذاته أو لصفةٍ لم نَعْنِ به أنَّ ذلك يقومُ بحقيقةٍ لا ينفكُّ عنها بحال مثل كونه عَرَضًا، وكونه مفتقِراً إلى محلٍّ يقوم به، وكون الحركة حركةً والسَّواد لونًا. ومِنْ ها هنا غَلِط علينا المنازعون لنا في المسألة وألزمونا ما لا يلزمنا وإنما نعني بكونه حسنًا أو قبيحًا لذاته أو لصفته: أنه في نفسه مَنْشَأٌ للمصلحة والمفسدة، وترتُّبهما عليه كترتب المسببات على أسبابها المقتضية لها”
ولاحظ أنه يتحدث عن كون الفعل ذاته بالعادة مُنشئ لمصلحة أو مفسدة (إلا في ظروف معينة) بشروط ومسببات، فيتحقق لدينا الحسن والقبح وليس لصفة مجردة تقوم فيه ولا بصفة ذاتية لا تتغير فالأفعال غير مستقلة عما ينشأ عنها من كمال ونقص ومصلحة ومفسدة وملاءمة ومنافرة وهذه قاعدتنا هنا ل تلاحظ هي شاملة لقول مذاهب أخلاقية مختلفة مثل: الانفعالية والواقعية والنفعية وغيرها فمذهبنا أكثر توسعاً ولا يقع بالإشكالات التي تقع بها هذه المذاهب.
فالفعل بحد ذاته يُنشئ أثراً بالواقع فنرى أثره ويحكم الطبع العام بملاءمة أو منافرة هذا الفعل لتحقيقه مصلحة أو مفسدة والله سبحانه خلق طباعنا لنحب ما يحبه ونبغض ما يبغضه ومنتهاه عائد لصفاته كحقيقة موضوعية أولية لا تُفسر بقيمة أعلى، فمعضلة يوثيفرو لا تُشكل علينا بل هي مشكلة عليهم كما سترون بعد قليل.
فإذا قال: ولماذا تحقيق المصلحة ودفع المفسدة حسن؟
بصيغة أخرى الفعل يحقق مصلحة لهذا هو حسن ولكن هل حُسن تحقيق المصلحة من ذاتياته فأحبها الله وأمر بها؟ هذا يعني وجود شيئاً مسقل عن الله؟ هذا السؤال قبل أن نجيب عليه تأمل أن الملحد الواقعي السائل لم يطلع على كتب أسياده فمثلاً تأمل رد إيريك ويلينبرغ على هذا السؤال في كتابه الأخلاق القوية ص24:
« كما يقال لا بد أن ينتهي التفسير عند نقطة معينة: لماذا تعذيب شخص لمجرد المتعة فعل خاطئ أخلاقياً؟ الجواب: لأن تعذيب شخص لأجل المتعة يجعل الفعل خاطئاً، ولكن لماذا؟ ربما يتوفر شرح أعمق: كأن نقول التعذيب لمجرد المتعة ليس فيه منفعة أبداً وعدم تحقيق المنفعة يجعل الفعل خطأ، ولكن لماذا عدم تحقيق المصلحة يجعل الفعل خطأً؟ في النهاية نصل إلى القاع؛ فلا يعود هناك تفسير إضافي متاح لكني لا أرى سبباً يجعل امتلاك هذا الحدّ التفسيري النهائي سمةً إشكالية في أي نظرية».
ولاحظ الآن أن مبدأ الواقعية اللاطبيعية يقوم على نفس إيماننا وردنا السابق والتوقف عند ”حقيقة أولية لا تُفسر“ نحن نقول أنها صفات الله وهم ينازعون أنها حقائق أخلاقية مجردة. وأستطيع التوقف هنا وعدم الرد على السؤال لأن نظريتهم التفسيرية ضعيفة ولا تضيف أي تفسير مميز كما سنوضح هو فقط يشنع على نظريتك الأخلاقية أنها تتوقف عند صفات الله كحقيقة لا تُفسر ونظريته لا تفسرها أصلاً وتتوقف عند حقائق مجردة لا تُفسر لا اختلاف بينكما فقط بشعوره بأنه أعمق منك.
بينما نظريتنا الأخلاقية أكمل في التفسير فنقول:
الفعل المُنشئ للمصلحة يكون فيه المقتضى لحسنه، وتحقيق المصلحة حسن لملاءمته الطبع البشري السليم (الطبع الموضوعي العام) والذي خلقه الله ليحب ما يحبه ويبغض ما يبغضه ومحبة الله للشيء نابعة عن كمال صفاته سبحانه فالعادل يحب العدل والصادق يحب الصدق فمنتهي هذه الأفعال واتصافها بالحسن والقبح عائدة الى صفات الله فهو خالق الأشياء وطبائعها ومصالحها ومفاسدها، وخلق طباع الإنسان المستجيبة لهذه الأفعال بمحبة العدل وبغض الظلم ومحبة تحقيق المصالح ودفع المفاسد ففطر خلقه على حب الأول وبغض الثاني فهو محب للأول مبغض للثاني وخلق طباعهم عليه، علاقة سببية تفسيرية متسقة وشاملة للنفعية والواقعية الموضوعية والانفعالية، لا تنفك عن بعضها حتى ينتهي أساسها الموضوعي إلى صفات الله والتي لا تُفسر بقيمة أعلى أو خارجة عنه كما هي (الحقائق المجردة لديهم) فهي الأساس التفسيري، هذا التفسير المتسق لا يستطع الواقعي قوله فالطبيعة خلقت طباعنا لنحب الحقائق المجردة مثلاً وكفى سخرية رد إيريك ويلينبرغ ولاحظ قوله:
«لا أرى سبباً يجعل امتلاك هذا النوع من الحدّ التفسيري النهائي سمةً إشكالية في أي نظرية».
فلا يمتلك الواقعي الآن ما يشنع عليه.
• فإذا كانوا يرون بالطرح السابق إشكالاً❗️
فهذا لأنهم فقط يشعرون بالعمق ولا يفهمون إلى الآن ما اعترف به الملحد الواقعي الشهير إيريك ويلينبرغ بأن الواقعية الأخلاقية اللاطبيعية تشترك بنفس الالتزامات الأنطولوجيا مع المؤمنين وأن مذهبهم الأخلاقي ماهو إلا دين ميتافيزيقي معتوه فصل الصفات عن الإله وأصبح يؤمن بالصفات وحدها كشبح عائد لإله الكالفينية، وإذا سألته حول هذه الحقائق الأخلاقية ستجده ينتهي بنفس كلامي السابق حول صفات الله بأنها ”حقيقة أولية لا تُفسر بقيمة أعلى أو خارجة عنها” لأنها بالأصل صفات الله، فيذكر الملحد الواقعي إيريك ويلينبرغ في كتابه الأخلاق القوية ص38 نفس قولنا بصفات الله ولكن للحقائق الأخلاقية المجردة لا تقوم هي نفسها على أساس أخلاقي أعلى منها أو خارجة عنها فيقول:
«الحقائق الأخلاقية تندرج تحت هذه الفئة؛ وأسمي مثل هذه الحقائق حقائق أخلاقية أساسية وهذه الحقائق هي أساس بقية الأخلاق الموضوعية ولا تقوم هي نفسها على أي أساس خارجي»
الآن سؤال لماذا خاصية العدل المجردة حسنة؟
سينتهي قولهم هنا بنفس قول المؤمنين بشأن صفات الله بكونها صفات الله وطبيعته سبحانه هي مصدر القيمة العليا للخير ومصدر التفسير كحقيقة أولية لا تُفسر بقيمة خارجة عنها وإلا وقعنا بالتسلسل، وكذلك هم، وأي اشكال يفتحوه هو لازمهم لأنه دين مثل ديننا أزال الله وآمن بصفاته كحقائق مجردة، ساغير ترجمة نص إيريك ويلينبرغ لعلها تعجب الواقعيين وينسوا كوني سلفي مؤمن كما هم مؤمنون تفضل:
«العدل حسن لأنه صفة من صفات الله؛ ولا تؤسس هذه الصفات أو تستمد قيمتها من شيء أعلى أو خارج عنها فهي الخير الأسمى والمعيار الذي ينتهي إليها تفسير القيمة».
وإذا بدأ في البكاء وتبرأ من قول ويلينبرغ ذكره أن كل الواقعيين اللاطبيعين يقولون بهذا وينتهون لحقيقة أولية لا تُفسر أبتداءً من جورج إدورد مور فهذا ليس رأياً يا معتوه بل أساساً في الواقعية اللاطبيعية وتأمل التالي لويلينبرغ وهو يقول ص37 عن هذه الخصائص الأخلاقية المجردة:
«لا شيء خارج عنها يؤسس وجودها؛ بل هي سمات أساسية للكون تؤسس للحقائق الأخرى».
سأعيد ترجمة المقطع السابق بصياغة مملوءة بإيمان مثل إيمانهم فأقول: كل صفات الله كمال
«لا شيء خارج عنها يؤسس وجودها أو قيمتها بل منها تتأسس بقية الحقائق الأخلاقية الأخرى».
الآن ما الفرق بيننا؟ كما قلت فقط شعور المعاتيه بأنهم أعمق.
ولعل بعضهم يسأل سؤال غبي مثل:
هل يمكن أن يجعل الله الظلم حسن ولماذا؟
هذا فرض محال لأن قلب الظلم لحسن هو تناقض لصفة من صفات الله، فالعادل لن يحب الظلم ولن يجعل الظلم ملائماً لطباع مخلوقاته ويثوب عليه ثم يقال عنه عادل، فلا يمكن أن تكون هذه الأفعال على غير ما هي عليه ”في كل العوالم الممكنة“ لأنها لا تنفصل علاقتها بصفاته سبحانه علاقة سببية واضحناها وصفاته سبحانه حقائق موضوعية، وانقلاب الظلم لحسن انقلاب في صفات الله من إله محب للعدل إلى إله محب للظلم وهو محال.
تريد تسمع نفس جوابي السابق من الواقعي❗️
فقط اسأل الملحد الواقعي:
هل من الممكن في عالم من العوالم الممكنة أن ينقلب الظلم وتعذيب طفل لأجل المتعة لفعل حسن؟
سيخبرك هذا مستحيل ومحال بكل العوالم الممكنة.
فكيف يجوزون انقلاب الظلم للحسن وهو مناقض لصفة من صفات الله؟ ولا يجوزون انقلاب الخصائص الأخلاقية المجردة؟ هل شبح إله الكالفينية لديهم محال انقلاب صفاته وجائز انقلاب صفات ربنا؟.
فإذا سأل:لماذا تحديداً كون العدل من صفات الله مَنشأً للقيمة كحقيقة أولية لا تحتاج لتفسير؟
فهنا نعيد عليهم ما ذكره الفيلسوف مارتن ياكوبسن بنفس السؤال: لماذا تحديداً تكون خاصية العدل المجردة مُنشئة للقيمة كحقيقة أولية لا تحتاج لتفسير؟
أرأيت نفس السؤال الذي يؤدي إلى تسلسل تفسيري لا نهائي بتعليل قيمة بقيمة أعلى منها؟
بل تخيل سألت: لماذا الحُسن المتحقق بصفة الحُسن المتحققة بخاصية العدل مُنشئة للقيمة؟
لا تقل أن سؤالي اعتباطي وخاطئ لأنه هذا بالأصل سؤالك يا معتوه بتفسير القيمة العليا بقيمة أعلى، فالملحد يفكك القيمة العليا التي نؤمن بها ويطلب تفسيرها بقيمة أعلى من خارجها وينسي بأنه مؤمن يشترك معنا بنفس الالتزامات فإذا باشرنا بتفكيك مصدر القيمة لديه لا نترك جوابه ينتهي بالقول:
”العدل خاصية أخلاقية أولية بذاتها حسنة لا تعلل بقيمة أخرى“
لأن هذا يساوي من حيث البنية التفسيرية قول المؤمنين بصفات الله، وإذا كان جوابهم هنا متسق فجواب المؤمنين مقبول ومتسق، ويبقى عليهم أن يبينوا لماذا تكون أنطولوجيا الخصائص المجردة لديهم أقدر على تفسير الإلزام والقيمة من أنطولوجيا الذات الإلهية المتصفة بالكمال وألا ينتهي تفسيرهم ”بحقيقة أولية لا تُفسر“ كما فعلنا نحن قبل قليل كلانا مؤمن فقط هم معاتيه يشعرون بالعمق.
فكما قلنا في البداية: إن المبدأ الأول للقيمة لا يفسر لمبدأ قيمة أعلى منه وصفات الله تعالى هي المصدر الأول للقيمة.
بينما هم يجعلون المبدأ الأول للقيمة الخصائص الأخلاقية المجردة وليس الله، فمحل النزاع لو تلاحظون قضية إيمانية وليست عقلية نفس نزاعنا مع النصارى وبقية الملل، خذوهم لقسم مقارنة الأديان ليس النزاع في ساحة الفلسفة هنا.
معضلة يوثيفرو في الواقعية الأخلاقية بصياغة ياكوبسين❗️
كالتالي:
هل خاصية الخير الأخلاقية هي التي جعلت الصدقة حسنة؟ أم أن الصدقة حسنة فتحققت فيها خاصية الخير الأخلاقية؟
فإذا قال بالأولى❗️:
”خاصية الخير الأخلاقية هي التي جعلت الصدقة حسنة“
فهذا نفي لاتصاف الأفعال بحسن أو قبح فالكذب والتعذيب قبيح لتحقق خاصية الشر فيها، وهذا يعيدهم لنقد الملحد جون ماكي لماذا الفعل المادي أو الواقعة الطبيعية (المعينة) استدعت (أو تحققت) خاصية الخير الأخلاقية فيها وليس خاصية الشر مثلاً؟
تأمل معي السيناريو التالي:
- رجل أدخل إبرة حادة في جسد طفل فيها علاج فتألم الطفل المريض وكانت نيته (شفاء الطفل)
- مشهد ثاني: رجل أدخل إبرة حادة في جسد طفل فيها علاج فتألم الطفل المريض وكانت نيته (إيلامه للتسلية)
مجدداً: - شخص رأى فقيراً فأعطاه 50 درهم وكانت نيته (مساعدته)
- وشخص آخر رأى فقيراً فأعطاه 50 درهم وكانت نيته (إهانته والرياء أمام الناس).
هنا كيف تحققت خاصية ”الخير المجردة“ بالفعلين الأولين وكيف تحققت خاصية ”الشر المجردة“ بالفعل الثاني وهي نفس الأفعال المادية لم يتغير فيها شيء؟ ستقول تغيرت النية! أحسنت
لكن كيف فرقت هذه الحقائق المجردة بين هذه الأفعال تمتلك نفس الأحداث المادية وليس فيها أي فرق غير النية؟
كان هذا سؤال الملحد جون ماكي وهو يصيبهم بالأرق إلى اليوم ولن تجد كتاباً لهم إلا ويحاول الرد على كتابات ماكي:
«كيف لهذه الحقائق الأخلاقية المجردة عن العالم المادي التمييز بين الأفعال وتتحقق باعتبار الحالة الذهنية للفاعل أثناء الفعل؟؟»
لهذا تجدون الفيلسوف ويليام كريغ وميكا بايكرافت ص72 يسخرون بأن الواقعيين وكأنهم يفترضون أن هذه الحقائق الأخلاقية واعية ومريدة وتطلع على النوايا فالقول أن الواقعة الطبيعية (النية) تستدعي خاصية غير طبيعية هو فقط قلب للمسألة فالنية هي التي تستدعي الخاصية الأخلاقية.
انسي هذا الإشكال الكبير:
سأسلم أن هذه الحقائق الأخلاقية تحققت بحسب نوايا الفاعل.
تأمل معي المأزق الأعظم:
أن الواقعيين في نظريتهم يرون أن الإنسان يدرك هذه الخصائص الأخلاقية المجردة في الأفعال عبر ”الحدس الأخلاقي“ وعبر هذا الحدس يتم معرفة الخاصية الأخلاقية المجردة التي تجسدت في (الفعل المعين) فيذكر مايكل هيومر في كتابه ”Ethical Intuitionism“ أن الحدس يدرك الحقائق الأخلاقية ”بصورة مباشرة“ فالحكم الأخلاقي ناتج عن ادراك مباشر بين الحدس والحقائق الأخلاقية فيقول ص121-122:
«أرى أن على الحدسي أن يكون واقعيًا مباشرًا في الأخلاق. فلا ينبغي له أن يقول إن الحدوس تعمل كنوع من الأدلة التي نستدل منها، أو ينبغي أن نستدل منها، على النتائج الأخلاقية. بل ينبغي أن يقول إنه بالنسبة إلى بعض الحقائق الأخلاقية لا نحتاج إلى دليل، لأننا نكون واعين بها مباشرة، وإن هذا الوعي يتخذ صورة الحدوس؛ أي إن الحدوس تشكّل، جزئيًا، وعينا بالحقائق الأخلاقية. فالحدوس ليست هي موضوعات وعينا عندما نمارس التفلسف الأخلاقي؛ وإنما هي مجرد وسائل وعينا، التي ‘نرى من خلالها’ الواقع الأخلاقي.»
فهيومر كما يقول يرفض فكرة أن الحدس ملكة نستنتج عبرها بشكل استدلالي الحقائق الأخلاقية هو يرفض هذا ويقول إننا نكون واعين وندرك ”بصورة مباشرة” عبر الحدس الحقائق الأخلاقية نفسها ويقول:
«وبالمثل، في الحدس الأخلاقي، نجد أنفسنا، بوصف ذلك حقيقةً فينومينولوجية، أمام خصائص وعلاقات أخلاقية، لا أمام حالات عقلية.
أي أنك حين ترى (الفعل الموجود) تدرك بشكل مباشر أنه يحمل خاصية الصواب أو الخطأ بإدراك فوري مباشر.
والفيلسوف الواقعي الملحد ديريك بارفيت مثل هيومر يرى أن الإنسان عبر الحدس يدرك الحقائق الأخلاقية كما تذكر دراسة Parfit über Intuitionismus أن بارفيت يقول:
«لدينا قدرات حدسية تمكّننا من الاستجابة للأسباب والتعرّف على بعض الحقائق المعيارية.»
وكذلك تذكر موسوعة استانفورد للفلسفة بمقالها عن الحدسية:
«إذا كان الصواب والخطأ صفتين حقيقيتين للأفعال، فلن يكون بالإمكان إدراكهما بأي حاسة تجريبية، إذ لا نشعر بالصواب والخطأ عند إدراكنا للأفعال الصحيحة أو الخاطئة. بل ما نراه هو أن هذه الأفعال صحيحة أو خاطئة هذا الإدراك يُعدّ حدسًا، لأنه إدراك مباشر ولكنه حدس فكري وليس حدساً حسياً».
يعني فور أن تتحقق خاصية الشر الأخلاقية في فعل مثل ”تعذيب طفل لأجل المتعة“ فإن حدسنا الأخلاقي يلتقط هذه ”الخاصية الأخلاقية المجردة“ وهو ما يجعلنا ندرك أن هذا الفعل خير أو شر لأن حدسنا الأخلاقي يدرك هذه الخصائص الأخلاقية المجردة بصورة مباشرة غير مشتقة من الاستدلال.
ولكن في مثال الإبرة للتسلية والصدقة للتفاخر
إذا سلمنا بأن الخصائص الأخلاقية تحققت بحسب النوايا السيئة للفاعل (ألف مبروك) هنا الخاصية التي تحققت أنطولوجياً في هذا الفعل هي ”خاصية الشر الأخلاقية“ لكن غالبية الناس المشاهدين للفعل والجاهلين بالنية شعروا بالخير واستحسنوا هذا الفعل!!!
• السؤال هنا:
لماذا الحدس الأخلاقي للمشاهدين لم يدرك تحقق خاصية الشر بهذا الفعل في الخارج وشعر بالخير بينما الخاصية المتحققة بالخارج هي خاصية الشر؟
أليس الحكم الأخلاقي نابع من الحدس الذي يدرك الخصائص الأخلاقية المجردة بصورة مباشرة في الأفعال؟ (بعد تسليمنا تنازلاً أن الخصائص الأخلاقية تتحقق تبعاً للنوايا التي في الصدور) لماذا لم يلتقط الحدس الأخلاقي خاصية الشر المتحققة بهذا الفعل وشعر المشاهدين بالاستحسان لرؤية الموقف؟
سيقول الواقعي: النية واقعة طبيعية غابت ان المشاهد ونتج الحكم الخاطئ للحدس لغياب معرفتهم بالواقعة الطبيعية (نية الفاعل)
فيكون السؤال: إذا كان الحكم الأخلاقي في الحالتين يتغير عند اكتشاف واقعة طبيعية جديدة (النية) فيهومر يقول:
«الحكم الأخلاقي، على الأقل في الحالات المهمة، مباشر وغير وسائطي.»
فكيف يظل الحكم الأخلاقي نفسه غير وسائطي؟ وما الذي يعنيه بالضبط أن الحدس يدرك خاصية الشر بصورة مباشرة إذا كان تحديد الحكم الأخلاقي يتوقف على اكتشاف الحدس واقعة طبيعية (النية)؟
هذا ليس إشكال واحد بل بارفيت مثل هيومر يقولان إن الحدوس غير مشتقة استدلالياً كما يذكر المصدر أن الحدس عند بارفيت غير استدلالي ومباشر كما قلنا.
فلاحظ التناقض:
فالحكم الأخلاقي للحدس ليس نتيجة استدلال من الوقائع الطبيعية بل قدرة حدسية مباشرة لادراك الحقيقة المعيارية نفسها، لكن المشاهد في مثال الإبرة والصدقة لن يغير حكمه الأخلاقي إلا بعد معرفة واقعة طبيعية جديدة وهي (نية الفاعل) فأصبح الأمر برمته استدلالاً وليس ادراكاً مباشراً بين الحدس والخصائص الأخلاقية وهذا ما يناقض قولهم بالجملة.
فنسأل الواقعي ببساطة: بعد معرفة المشاهد بنية الفاعل ماذا حدث معرفياً ليغير حكمه؟
• 1- عرف النية ثم استدل فيها وفي بقية الوقائع على أن الفعل خاطئ؟ فهنا كما قلنا أصبحت معرفة المشاهد بالحكم الأخلاقي استدلالية، وهذا يتعارض مع وصف بارفيت وهيومر بأن الحدس غير مشتق استدلالياً.
2- عرف المشاهد النية ثم أدرك بعدها مباشرة خاصية الشر المتحققة في الفعل؟. فهنا مشكلة أكبر فما الذي يعنيه «الإدراك المباشر» إذا كان الحدس يحتاج لمعرفة الواقعة الطبيعية الجديدة ((النية)) وهي التي جعلت الخاصية الأخلاقية تظهر في الحكم الحدسي ما الذي يعنيه الإدراك المباشر هنا؟
فإذا كانت معرفة الواقعة الطبيعية للنية تكشف لنا الحالة الكاملة للفعل ليعمل بعدها الحدس بشكل مباشر، فكيف يفسر الواقعي اللاطبيعي أن تغير واقعة طبيعية معينة يغيّر الخاصية الأخلاقية التي يُقال إننا ندركها بحدسنا بصورة مباشرة؟
كلها تخريصات ما قالوا بشيئاً إلا قولهم السابق ووقعوا بما هو أسوأ. فعدم استشعار الحدس للشر هنا بل واستحسانهم للفعل، يثبت أن الإنسان لا يتفاعل عبر حدس أخلاقي يدرك بصورة مباشرة ”الخصائص المجردة في الأفعال“ كل هذا هراء ميتافيزيقي معتوه انتهى أمره الآن.
• والتحقيق: أن شعور الإنسان بالاستحسان أو الإستياء ليس التقاطاً لخاصية مجردة من الخارج تتجسد بالأفعال بل هو تفاعل مع ”الصورة الذهنية“ في تفاعل نفسي انفعالي بناءً على تصور المصلحة والمنفعة المتوهمة (بالعلاج والصدقة) وحكم الناس هنا واستيائهم لن يحدث إلا بعد اخبارهم بنوايا الفاعلين (للتسلية والتفاخر).
وهذا يقطع بأن الآلية لمعرفة الحسن والقبح الأخلاقي هو تفاعل نفسي وإدراكي عائد للملاءمة والمنافرة والمصلحة والضرر والكمال والنقص منتهاه عائد لصفات الله كما قرره تحقيق شيخ الإسلام ابن تيمية للأخلاق وليس التقاط حدسي لخصائص ميتافيزيقية تُبتنى بالفعل لحظة وقوعه. فنظرية أهل السنة أكثر اكتمالاً وتشمل ثلاث معايير لثلاث مدارس أخلاقية مختلفة ولا تقع بهذا الإشكال القاتل لتفسيرهم الساذج ولو تأملت ما سبق هو ضرب أنطولوجي وإبستمولوجي نهائي.
• سيحاول الواقعي التهرب بالقول:
”الحدس لم يعمل لأنه لم يعرف كل المعطيات الطبيعية، بما فيها النية“
ألا ترى أن هذا القول هو غاية حجتي فلم تعد الأحكام الأخلاقية ناتجة عن تفاعل ”حدس“ مع خاصية أخلاقية مجردة تحققت بفعل موجود بالخارج بل عملية استدلال وتحليل نفسي وعقلي بحت مع وقائع طبيعية لمدى تحقق الضرر والمصلحة والملاءمة والمنافرة النفسية للفعل.
شكراً صار لا حاجة لافتراض حدس عقلي يدرك خصائص أخلاقية مجردة بشكل مباشر هذه إضافات فلسفية زائدة لا تفسر شيئاً نستخدم لها ”نصل أوكام“ كمبدأ لإزالتها.
يتبع الشق الثاني من معضلة يوثيفرو في الواقعية
وإذا قال بالثانية❗️:
الصدقة حسنة بذاتها فتحققت فيها خاصية الخير المجردة هنا وقع باجتماع النقيضين وجمع بين ”التبعية التامة“ ”والاستقلالية التامة” كيف؟
عند القول أن الصدقة حسنة بذاتها أي هي بذاتها حسنة لا تستمد هذه القيمة الجوهرية من خارجها لتعليل حسنها ومستقلة عن التعليل الخارجي، وهنا أصبح لا حاجة لهم بوجود خصائص أخلاقية مجردة هذا ادعاء زائد ليس له قيمة تفسيرية، فالصدقة حسنة بذاتها لا تحتاج لخاصية أخلاقية من عالم المُثل فهنا ”الاستقلالية التامة”
ولكن الواقعيين يقولون أن الخصائص الأخلاقية هي التي (تجعل) الفعل حسن أو قبيح عبر علاقة Making Relation فهنا الأفعال المادية لا تكتسب قيمتها إلا عبر هذه الخصائص الأخلاقية التي تجعلها حسنة أو قبيحة وهذه ”التبعية التامة”!. فجمعوا بين ”التبعية التامة“ ”والاستقلالية التامة” وقد ذكر بايكرافت هذا بنقده المطول وبشكل ساخر، فإذا كانت الأفعال بذاتها حسنة أو قبيحة فما فائدة عالمك الافلاطوني.
لاحظ كيف في كلا الاختيارين ينتهي بهم الأمر للوقوع ”بنصل أوكام“ وإلزامهم أن افتراضهم بوجود أشياء ميتافيزيقية مجردة حمل زائد في النظرية لا يقدم حاجة تفسيرية ضرورية وجب التخلي عنها.
ملاحظة حول معضلة يوثيفرو ❗️
لاحظ أن الملحد الواقعي يعجز عن تأسيس وجود أخلاق من مقدمة بدأها بأن الله غير موجود إلا عبر توظيف النموذج الإلهي بل لا عبرة من معضلة يوثيفرو إذا القاها الملحد على الملحد فهو يريد فصل صفات الله عنه عبرها.
الدليل ما ذكرناه سابقاً❗️
بالمقالات السابقة وما أشار إليه بايكرافت ص32 من أن الواقعيين يستخدمون معضلة يوثيفرو لفصل صفات الله عنه ليخيل للمؤمن الحاجة إلى معيار خارجي للخير بينما هي صفات الله بالأصل لأجل هذا يحتاج الواقعي لله كأساس يعيد إليه هذه الحقائق ليؤسسوا عبر إيمان المؤمنين مدرسته الأخلاقية بمصطلح سماه تسريب المفاهيم.
ففي مقام المناظرة والبرهان لا يستطيع الواقعي أن يثبت للملحد المخالف له بأن ”الظلم والكذب“ قبيح فهو لا يستطيع البناء أصلاً إلا عبر توظيف إيمان المؤمنين بصفات الله فيتخذ الواقعي ذات الله معياراً للتقييم فتجده يسأل المؤمن:
هل يجوز أن يتصف الله بالكذب؟
فيجيب المؤمن: لا يجوز — هنا يقفز من الفرح
هل رأيت؟ هذا دليل أن الكذب قبيح بذاته، ووجود حقائق أخلاقية لا تحتاج إلى وجود الله هو هنا بالأصل أعاد هذه الحقائق لذات الله (لأنها صفات الله أصلاً) وجعل الله معياراً لتقييم هذه الأخلاق التي يدعي وجودها دون وجود الله، هو وظف النموذج الإلهي نفسه كبرهان له بينمل جعل الصفات تعوم وحدها في فضاء أفلاطوني لهذا قال عنهم الفيلسوف الملحد جورج سانتيانا يؤمنون بشبح لإله الكالفينية فيؤمنون بالصفات دون وجود الذات المتصفة. فأزالوا الله وأبقوا على صفاته ليهربوا من شبح العدمية
ولكن حين يتصادم الواقعي مع ملحد مثله❗️
هنا يعجز عن إلزامه بوجود حقائق أخلاقية مستقلة!! لماذا برأيك؟ لماذا سُحق برتراند راسل أمام مطرقة جورج سانتيانا وترك الاعتقاد بأخلاق موضوعية؟ ولماذا سُحق طلاب جورج مور أمام مطرقة الملحد ديفيد لورانس؟
ألا يملكون برهان عقلي أو فلسفي يثبت وجود أخلاق موضوعية؟ لماذا يحتاجون لسؤال هل يجوز إلهك أن يتصف بالكذب؟ ألم يبدؤوا بمقدمة أن الله غير موجود وهناك أخلاق؟ لما لا ينطلق مبرهناً من ذات المقدمة أن هناك أخلاق؟ ولكن لا نرى هذا عند تشديد الخناق عليهم من الملحدين بل يحتاجون لذكر الله والاعتماد على إيمانك بالله وصفاته لتأسيس البرهان منه ويفشل عند الملحد المخالف ولاحظ التالي:
• مقدمة(A) المؤمن:
الله موجود متصف بصفات الكمال منزه عن النقائص لهذا هناك حقائق أخلاقية وغاية وقيمة نعرفها في أنفسنا (الملاءمة والمنافرة)
• مقدمة(B) الملحد:
الله غير موجود وهناك قيمة وحقائق أخلاقية أزلية لا تحتاج لوجود الله لتكون موجودة
الآن لاحظ❗️
الملحد لا يستطيع الدفاع أو البناء أو البرهنة على وجود أخلاق من المقدمة B أمام ملحد مثله؟ لأن الملحد العدمي لا يعتقد بالمقدمة A ليلزمه بالقول: هل يجوز أن يتصف الله بالكذب؟ ويعيد هذه الحقائق لله كمعيار تقيمي لها فهو يعجز عن تأسيس B إلا بتواجد خصم مؤمن بالمقدمة A لتمكن الملحد حينها من سؤاله: هل يجوز أن يتصف الله بالظلم؟ فلا قيمة لهذه القيم إذا لم تكن الذات المتصفة بها غير موجودة.
وهنا تلاحظ أن استدلالاتهم تقوم من دون شعور على افتراض أن الله هو المعيار المُثبِت والمرجع الذي يحيلون إليه الحقائق الأخلاقية ليقر لهم المؤمن بالحسن والقبح (لأنها بالأصل صفات الله لهذا عند محاولة اثباتها يحتاج إلى اعادتها لذات الله) فالحكم على الأفعال عند الواقعي لا يتم إلا عبر قياسها على ذات الله.
فحديث الواقعي حول الأخلاق أمام ملحد مثله يؤمن بعالم عشوائي لا قيمة فيه ولا غاية ليست إلا ثرثرة معتوه، فما الواقعي إلا متدين معتوه يتمسح ببقايا غبار الإيمان ليهرب من شبح العدمية عبر إيمانٍ مثل إيمانك بالضبط غير أنه يشعر بأنه أعمق منك.
وهنا أهم الكتب للرد على هؤلاء
وملاحظة أخيرة مهمة❗️
عند قولنا بملاءمة ومنافرة الطبع نقصد به الطبع الموضوعي البشري العام فبعض الأفعال لا نعلم لها تعليلاً للقبح غير الطبع الموضوعي العام الذي يقتضي قبحها مثل سفاح المحارم، واللواط فهذا مما تنفر منه الطباع ولعلنا لا نستطيع تأسيس برهان كامل يرجح قبحها وحسنها عقلياً غير الطبع، وكذلك هذه الطباع الفطرية العامة يدخل عليها التأثير من البيئة والثقافة والوهم كأن يباح لديهم تبرير الشذوذ، وكذلك العقل في عملية إدراكه للمصالح والمفاسد ”يدخل عليه الوهم“ وتختلف العقول أي الأفعال فيها مصلحة ومفسدة وأيها يُرجح وهذا كان اعتراف جورج إدورد مور
يعترف مور بأننا لا نملك المعرفة السببية الكافية لمعرفة آثار أفعالنا في المستقبل البعيد، ولذلك لا نستطيع أن نعرف يقينا بل حتى لا نستطيع أن نرجّح عقلياً أن فعل معين هو الذي يحقق أعظم قدر من الخير؛ لأن الحكم الصحيح يتطلب الإحاطة بآثار الفعل وبدائله عبر المستقبل فيذكر ص152 من كتابه المبادئ الأخلاقية Principia Ethica:
«إن جهلنا التام بالمستقبل البعيد لا يعطينا أي مبرر للقول حتى باحتمال صحة اختيار الخير الأعظم ضمن النطاق الذي يمكن أن يمتد إليه التنبؤ الاحتمالي.»
حتى مور نفسه طعن بالحدس في تناقض غريب في نفس كتابه المبادئ الأخلاقية Principia Ethicaص 143–144 في طبعة 1903.
فهو يجعل الحدس وسيلة معرفتنا المباشرة بالحقائق الأخلاقية الأساسية، ويقول إن الحدس الأخلاقي هو السبب الوحيد لاعتقاده بالقضية الأخلاقية المعينة، لكنه في الوقت نفسه يقر بأن ظهور القضية لنا بوصفها صحيحة لا يثبت صدقها عند الاختلاف مع حدس الناس!!، وأن الطريقة نفسها التي ندرك بها الحقيقة يمكن أن تقودنا إلى الخطأ، بل إننا قد نكون مخطئين حتى بعد اقتناعنا بالحدس.
لهذا نقول: ”هنا تأتي الشريعة والوحي من الله كاشفاً لما توهم العقل حسنه وقبحه“ فكل القائلين بالتحسين والتقبيح باختلاف مذاهبهم مؤمنين مع ملحدين يُجمعون أن حيز التحسين والتقبيح العقلي محدود وما سواه تختلف فيه العقول لهذا نقول يأتي الدين ضابط لهذه المسائل، وأنا في أغلب النقاشات قد أُسلم تنازلاً بوجود حقائق أخلاقية مستقلة عن الله لاهتمامي الأكبر كما في هذا المقال أن الإشكالات حتى بعد التسليم لا تزول بل هي أكبر بكثير وصوب اهتمامي نحوها لأنها تُربكهم وتظل الأخلاق نسبية لدى الواقعيين حتى مع التسليم التام لكل مقتضيات مدرستهم حتى يأتي دين كاشف وهم أعلم الناس بمعضلة الالتزام الأخلاقي التي لو خصصت لها مثل هذا المقال ما بقي أحد يرى لهذه المدرسة قيمة فهي لم تُضف أي معيار تفسيري متفوق ولم تحل أي شيء فقط جاءت بإيمان ومسلمات غيبية مثل إيمان الأديان ورغم هذا لم تؤدِ وظيفة الدين بترسيخ الالتزام الأخلاقي وفصل الخلافات الأخلاقية.
انتهى بحمد الله فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.


